على جدار الذاكرة..!
في تلك البيوت القديمة كنا نجلس جميعاً، أمي وأبي وأختي وأخي وأنا وصديقي وصديق أخي وصاحب والدي القديم ، وجارتنا شريكة والدتي في الثرثرة ، والفئران في السقف الخشبي، والعقارب في بيت التبن، والذباب الكثير، والباب الخشبي الذي تدخل من تحته أفعى في جوفها مئة بيضة، والشباك الهرم الذي لايقاوم الهواء، وقطرات المطر المتساقطة من السقف، وأرض المنزل الطينيّة، وفانوس الكاز، وطاقة في الجدار أضع فيها كتبي مع كتب أخي، وأخرى تضع أختي فيها كتبها، وصندوق خشبي يحتوي على عدد من الصرر للملابس المكبوسة فيه كالمخلل، وراديو على البطارية لا يعمل إلا بعد عدة صفعات ولكمات من والدي، نستمع إلى عبد الباسط صباحاً وهو يرتل آيات القرآن الكريم، ثم إلى فيروز، وبعدئذ إلى إذاعة مونت كارلو، قبل اختراع الفبركات والقصص المزيفة. إفطارنا من الشاي والشنكليش واللبنة، وعشاؤنا من البيض البلدي قبل أن تصبح البيضة بربع مئة ليرة.. مصدرنا من اللحم هو زغاليل الحمام، أو بعض فراخ الدجاج في الأعياد، وفي موسم ترقيع السطح بالطين أو في نهاية موسم الحصاد.. حلوياتنا من المربيات أو النمورة والهريسة من دكان علي الصالح.
كنا ننام على حصير واحد وتحت غطاء واحد، نذهب إلى المدرسة ونحن نحمل الكتب بكيس من النايلون أو حقيبة جلد عليها من الرقع ما يخفي حقيقة لونها. وكان لدينا مدرسون يتنفسون غبار الطباشير. نجتاز النهر من الممرات الصعبة، نرتدي الأحذية البلاستيكية المثقّبة من الأسفل، ونحلم بأن نرى مواطناً عربياً.. نغني ونحن نرعى الماعز (حماة الديار عليكم سلام). ولم نكن نعرف الرقص إلا في الأعراس التي كانت تقام على الأسطح أو بجانب نبع الماء.. نتعارك في المسيرات الطلابية لحمل العلم واللافتات، نردد الخطابات والصيحات حتى تختفي أصواتنا، توحّدنا قصّة الشعر ولون المريول والمسير السريع والمنتظم إلى المدرسة، نلتقي قرب نبع الماء لنلعب (الدحَّل)، الآباء يدخنون التبغ البلدي ولا نتذكر أعياد ميلادنا إلا عندما نحمل دفاتر العائلة إلى المشافي الوطنية ، كان دواؤنا هو الأسبرين لجميع الأمراض والعلل.
نتناول التفاح في أوانه، والعنب في وقته، والإجاص مع المراب، والبندورة البلدية. ولم نكن نسمع بالخيار ولا الموز ولا الأفوكاتو ولا المنغا ولا الشاورما ولا البيتزا ولا الهمبرغر ولا الفروج المسحّب ولا الشيش طاووق، ولا ملطف الجو ولا السيشوار ولا البورسلان ولا السيراميك ولا البانيو ولا حمامات الساونا، ولا المسلسلات المدبلجة المكسيكية أو الدراما التركية التافهة. ولا نسمع بعمليات تكبير الثدي ولا خلطات التنحيف ولا نفخ الشفاه ولا شفط الدهون والشحوم، ولا نعرف شيئاً عن الشواطئ اللازوردية أو المصايف أو المقاهي والملاهي أو رأس السنة أو رأس البسيط أو رأس ابن هاني أو سيارة الشبح أو المرسيدس أو الكاديلاك أو النملة وما بعد بعد النملة، ولا حقائب السمسونايت ولا السيجار ولا معاطف الشاموا ولا الخلوي ولا الهواتف الذكية واللاسلكية ولا الإنترنيت والفاكس، ولا المكيفات والمراوح ولا الغسالات والجلايات والخلاطات ولا أجهزة الإنذار ولا الكاميرات الخفيفة والأعين الساحرة.
الفارق بين ما كان وما صار هو أننا كنا نعرف تفاصيل الحي والقرية وكل الأخبار، ونبذل كل ما باستطاعتنا لمساعدة الآخرين. أما الآن فلا نعلم ما يجري في غرفة النوم إذا كنا في غرفة الجلوس، ولا نعلم ما يجري في الصالون إذا كنا في المطبخ، ولا نعلم ما يجري في الشقة المجاورة والبناية المجاورة. وأصبحنا نتفاخر بالتوافه، وكأننا في آخر الزمان الذي وُعدنا به على لسان من سبقونا بكثير، حيث الخجل يخجل من الظهور والوقاحة مستلقية على قارعة الوجوه.. القناعة مقنّعة برداء الخوف والجشع يركض أمامنا ونحن نسابقه منذ لحظة الاستيقاظ، وأصبحنا نصفق للسارق الذي استثمر كرسيّه ووظيفته وخان الأمانة، ونحتقر الشريف الذي لم (يدبّر نفسه) وبقي محافظاً على الأمانة.. كل ذلك كي نملك عمارات وسيارات وأرصدة و(مصاغ) ذهبي ووجاهات ومقامات، ونتابع الركض في هذا الاتجاه المخالف للحضارة والأخلاق والشرف دون أن نعي ونفكر أين هي نقطة النهاية!