… من أي وقت مضى؟!

(اليوم أكثر من كل وقت مضى) هي:

جملة طالما استبعدتها من مدوناتي – رغم معاكساتها لي ومداوراتها الكثيرة – لأنها أُنهكت وعُومت وأُفرغت من معناها، مبالغة وادعاءً وتفاصحاً، من قبل العامة والخاصة.

وهأنذا أسمح لنفسي الآن، بل وأصر على استخدامها. راجياً أن تكون المرة الأولى والأخيرة، التي تلزمني في ظروفٍ مماثلة.. ولا أتصور أن ثمة ظروفاً تماثل أو تشابه ما ترتكبه وتفرزه وتستجره وتفاقمه حادثات الحرب الكونية، على (أم الأبجدية) وعاصمتها (الأموية السمراء) أو تجاريها ضراوة وشراسة ولا معقولية.

اليوم أكثر من كل وقت مضى، فعلاً..

وتحت جَلْد الشوق والحاجة. أجدني منشدّاً لالتقاء زملاء الدراسة أيام زمان في (الثانوية الزراعية بدرعا): عبد الحميد مسالمة، فيصل السالك، أحمد أبو اللبن، جمال محاميد..

أتوق لرؤية كل زملائي (الزراعيين) هؤلاء الذين حضرتني أسماؤهم الآن، ومَنْ غيبت الذاكرة أسماءهم من أبناء (درعا) و(إزرع) و(إنخل) و(جاسم) و(إبطع) و(داعل) و(عتمان). الذين طمست الحافظة أسماءهم وحَفِظَ الودّ صداقتهم. هام ومطلوب اليوم وأكثر من كل وقت مضى. أن نلتقي لنتذاكر ما وقر في البال والوجدان من سابق أخويّ تعامل أهالي درعا مع أشقائهم وجيرانهم، الطلبة القادمين من جبل العرب. أن نلقي نظرة من مسافة أربعين سنة، على جمعاتنا الطلابية في سبعينيات القرن السابق في ربوع حوران.

على تضايفنا سهرات السمر في سكن بعضنا بعضاً..

على مشاوير المساء والتجوال في ساحات (الكرك) وشوارع (شمال الخط).. على تعاطينا الشاي والقهوة وأخبار البلد في مقاهي (المحطة).

أن نتذاكر المآثر النبيلة والمشرفة، التي كنّا نتناقلها عن مجاهدينا وثوارنا، أمثال (القطامي) و(الأطرش).. وسواهما ممن خرجوا من رحم سورية، ترعرعوا على حكايا الشجاعة وسير الكرامة، مَنْ تعلموا العزة والعطاء في كتاتيب الحقول والكروم، والإثار والإقدام في رحاب المضافات وساحات الوغى، قبل أن يخطّوا بقلم التضحية وحبر الخضاب، رسائل مفاداتهم الوطن. والأهم من كل هذا وذاك. بل ومن الوفاء لذلك الزمن الجميل ولأرواح وذكرى هؤلاء الأبطال. أن نبعث بنداء من على تراب حوران سورية الغالي والطيب في درعا والسويداء. نداءً موقّعاً بأسمائنا نحن خريجي ثانوية زراعة درعا، وباسم كل من يشاركنا حبنا وإخلاصنا لسوريانا من مثقفي الجنوب. إلى سائر أبناء الوطن، في الجهات الست، مضافاً إليها جهتا القلب والضمير. نناشدهم فيه، أن نفكر بروية (رغم ضغط الأحداث) وأن نعمل بتعقل (رغم جنون الواقع). من أجل الخروج بالوطن، من فوهة المحرقة الأكولة التي تلتهمنا بشراً وشجراً وحجراً. فكم من أم ك (أم الياس) للمرة كذا، تحاول استجلاب النوم على مشهد ملاقاة ابنها، خارجاً من الأسر وعائداً إليها سالماً..

كم من أبٍ ك (أبي هاني) للمرة كذا يغالب البكاء أمام زوجه وأولاده. حين لم يستطع إخبارهم بما تناهى إلى أسماعه، من تقطيع ابنه ورفاقه في المجموعة ودفنهم أحياءً، حيث كان يخدمون ..

بل كم هناك من طفلة ك (ندى) تصحو للمرة كذا من نومها ويقظتها. فلا تجد شقيقها التوءم، الذي اختطفه مسلحون ملثمون ما انفكوا يتسلّون بحرق أعصاب أهله وقلوبهم.. وكم..؟ وكم..؟

في الأمس القريب. تجاذبنا في حديثنا (بعض الزملاء وأنا) أطراف مسلسل الأزمة /الجائحة. المسلسل الذي ضرب رقماً قياسياً: نصاً وسيناريو وتمثيلاً وإخراجاً وإنتاجاً وتمويلاً، وخرقاً لحرمات بيوت المواطنين على اختلاف أعمارهم وأفكارهم ومشاربهم، وإشراكهم في عداد جيش (كبمارسه) المفتوح عدداً وقتلاً..

تحدثنا عن أسباب الأوضاع التي انتهينا إليها.. عن النتائج الراهنة والمرتهنة، المعلنة والكامنة.. عن الاحتمالات المنتظرة والمتوقعة.. عن المآل الذي ستؤول إليه سورية، تحدثنا.. وتوقفنا جميعاً حيارى، أمام تفسير هذا السكوت والصمت الذي يخيم على المثقف السوري، وأمام ما يمكن أن يفعله. ما لم تتفتق عنه أذهاننا المُذهلة، وفراستنا المجمدة، من تفسيرات وتبريرات مقنعة، لما يكتنف المثقفين السوريين من ارتباك وتلبُّث، إزاء ما يحدث أمام أعيننا وعيائنا وضعفنا وإحجامنا. استطاع ابن رقة (الرشيد والعجيلي) زميلنا (الدرويش) بنقاء سريرته ودقة تعابيره، أن يُحرزه ويرضي فضولنا. عندما عطف على مأثور النفري (كل ما اتسعت الرؤية، ضاقت العبارة) ليقول ما مفاده: ما أصاب المثقفين السوريين غير التابعين، من تلبك وتعثر في مواقفهم حيال الأزمة. راجعٌ في معظمه إلى عدة أسباب ما يقال منها: تسارع الأحداث قياساً إلى بطء توقعاتهم، وقصور قدراتهم التخييلية، ولعجز مخزونهم اللغوي. ومفردات قواميسهم، عن استيعاب، غريب الذي يحصل وعجيبه. ما شكَّل صدمة لأحاسيسهم وضربة لمشاعرهم، ثم عسراً هضمياً في فهمهم، وبالتالي حيرةً وتوعكاً في تصرفهم.

    لكن ما أنا متأكد منه (يتابع الدرويش) هو صحوة المثقف الوطني في القريب الآتي، وتنكبه المسؤولية الملقاة على عاتقه قبل سواه، في التنادي والبذل لإنقاذ الوطن مما هو فيه. ومن ثم العمل على ترميم الإنسان السوري جسدياً ومعنوياً، في الوقت الذي يكون فيه الآخرون منخرطين في إعادة بناء البلد. لأن المثقف الحق هو ضمير شعبه ومرآة وطنه..

العدد 1195 - 23/04/2026