وماذا حدث بعد ذلك؟!
لعلك تصغي إلى من يقول لك: نصنع الحدث، وربما تنتشي طرباً بحدث انتظرته وتوقعته، سواء كان وجوده في النص، أو الواقع، فأن يصنع حدث ما فلا بأس بمن يأخذهم الفضول من الذهاب بعد انتظار إلى انفراج ليسترخي التفكير قليلاً، ويطمئن إلى أن فعلاً قد تم، وما لم يتم سيبقى منتظروه على قارعة انتظار ثقيل الحضور!
لا ريب أن (الحدث) يستدعي توسل حضوره، لنهاية بعينها قد تؤسس لبداية جديدة، إذ إن (النهايات السعيدة) بمنطقها الكلاسيكي، كناية عن زمن جميل أقرب في لحظتنا إلى مجاز بعيد، ولعلها كمفهوم قد تعالقت في الأدب والإبداع على نحو مثير وبمفارقات اللحظة الإبداعية، التي تركت للقارئ سؤالاً شاقاً: وماذا حدث بعد ذلك؟ ليصبح (الحدث) وما سيليه باستقلال جزئي عن أبطاله المحتملين، هو السؤال بذاته، فهو من يستدعي مفهوم النهايات المحتملة لأولئك الأبطال.
فهل كانت ضرورة درامية تلك التي آلت إلى نهاية (روميو وجولييت) في رائعة شكسبير، مؤسسة لتأويلات متعددة؟ وعلى امتداد اللحظة التراجيدية، قضت (آنا كارنينا) في صورة فجائعية، لعلها ذروة تراجيدية بامتياز.
لكن المؤلفين، سيتسنى لهم شيء من (المخاتلة) طمعاً بأكثر من أفق توقُّع للقارئ، لنلاحظ مثلاً أن (سكروج) شخصية تشارلز ديكنز، هو مثال البخيل الذي وزع أمواله بفعل (رؤيا) دفعته لذلك، لينتهي عالة على نفسه والآخرين في شوارع لندن الخلفية، وكان ما كان من خط (ويلي لومان) شخصية آرثر ميللر في رائعته (موت بائع جوال) فقد مات محترقاً، أما (لومان) فقد مكث في مكان ما، ليقبض تأمينه!
وهل اخترع روبنسون كروزو قصة وجوده على الجزيرة فيما يختبئ ببيته؟!
وفي المقابل يعجز (حسان) في رواية ممدوح عزام الآسرة، (قصر المطر)، عن تبديل الكون، (وإذا ما غرز خنجره في أي صدر، فهل سيستمر حزنه،لأنه مثلما يحزن يغضب لأنه حي)!
وعلى لسان شخصيته في محاولاته التجريبية القصصية (أسماء مستعارة)، يكثف الراحل عبد الرحمن منيف هاجس القارئ بالحدث ومضمر النهاية: (إذا شاهدتُ فيلماً مثلاً وترك في نفسي أثراً، أحاول أن أتذكر وقائع الفيلم مرة أخرى، ولكن من النهاية، ثم أفرز العناصر المشتركة بيني وبين البطل، قد تستغربون إذا قلت لكم إن المحاولات الأخرى التي لجأت إليها، استعادة الوقائع التي أشاهدها أو أقرؤها من نهايتها، انطلق من البؤرة على الشكل التالي: (البطل منتحراً! هذه نهاية الفيلم أكتبها بخط عريض).
الأمر الأكثر إثارة هو في دراما الواقع، دراما النصوص الفردية أو الجمعية، نترقبها كما لو أنها فيلم طويل أو رواية الألف ليلة ويوم، خارج حساب المتعة المعرفية التي يتندر بها جمهور الأدب والدراما، رغبة بمآلات حدث ما من شأنه أن يحدث انفراجاً على مستوى اللغة والواقع، أشبه بلحظة تنوير تعبر فضاء الإبداع، لفضاء الواقع ذاته، ففي أمس قريب كانت (ثم ماذا) مفتاحاً لمعرفة سيرورة حدث ما، وبقدر ما لها من فضول غريزي، بقدر ما لها من اطمئنان مؤقت، ينهي لحظة، ويؤسس لما بعدها، لتنعطف (التراجيديا) من جديد وتكمل دورها من الإبداع إلى الحياة، فمصائر أبطال الروايات على الأرجح هي مواقف كتابها ورؤيتهم في مناحيها الفلسفية والوجودية، في اختبارهم للنهاية وبقصدية الحدث، سواء بتجربتهم معها، أو تشاركية المخيال الإنساني في تأويلات القدر، فليس الأمر محض تبشير بأفكار مجانية، وهو ليس كذلك وإلا لمَ أصبح الكثير من (أبطال) الروايات وبأسمائهم، صدى لأسمائنا ومجازاً لأحداثنا، وليس ما يلعبه القدر بالروائي مثلاً، سوى الخيط المفقود، أو الجملة الناقصة التي لم تكتب بعد! يولد أبطال الروايات بموازاة أبطال آخرين تصنعهم الأحداث، ويصنعونها، ويسعى الخيال لتحريرهم من قبض الواقع على ذواتهم، يسيرون معلنين كشائعة، أو جملة لا سطر لها، ويصير السؤال: ما الذي لم يحدث قط؟! ويحدث أحياناً، أنهم يبدؤون من النهاية، ولعلها تشكل إغراء لذات السؤال: وماذا حدث بعد ذلك؟! لننخطف إلى أحداث لا يمكن تأويلها بغير شخوصها الذين يعبرون تحت ظلال النهارات، وأقمار ليال لم تستوِ عتمتها حبراً، ولم يظل أبيض الفجر صحائفها، وفي غمار هذه (المطاردة) الأثيرة، نتساءل ببراءة: وماذا حدث بعد ذلك؟!