داود حيدو… الغائب الحاضر: قراءة في كتاب
منذ أن كان سائق تراكتور في بلدته القامشلي حتى لحظة وفاته في المشفى، كان يحمل هموم الدنيا على كتفيه…
بهذه الكلمات يقدم الأمين العام للحزب الشيوعي السوري الموحد ورفيق درب الفقيد داود حيدو، للكتاب الذي صدر حديثاً عن الراحل، الذي تبوأ مراكز مهمة في البلاد منذ أن عاد من ألمانيا الديمقراطية (الشرقية) حاملاً شهادة الدكتوراه في التخطيط الاقتصادي عام ،1967 كان أهمها عمله مديراً للتجارة الخارجية في وزارة الاقتصاد، هذا الموقع الذي كانت كل عمليات الاستيراد والتصدير تتم عبره، وكانت علاقته مباشرة مع كبار التجار ورجال الأعمال، يمنح ويحجب، ويحاورهم دون عقد، وعمله رئيساً لمكتب تسويق النفط.
في السيرة الذاتية له التي كتبها الراحل بقلمه، يكشف عن حياة حافلة ومتنوعة، الابتدائية التي حصل عليها من مدارس السريان الأرثوذكس في القامشلي، ثم الانتقال إلى مهنة الميكانيك التي شاعت في الجزيرة السورية حينذاك مع دخول المكننة الزراعية، ثم العمل على الآلات الزراعية مع ما رافقه من كشفه المبكر لمدى القسوة والظلم التي يتعرض لها العاملون في هذا القطاع، ومع اطلاعه على القليل الذي كان يتيسر له من كتب مثل الأم لمكسيم غوركي والبؤساء لفيكتور هوغو وكتب سلامة موسى والرصافي والمتنبي، نمت عند الشاب المتحمس ميول رفض الظلم والدفاع عن العمال والفلاحين الفقراء، فشارك في تأسيس نقابة لعمال الميكانيك في بداية الخمسينيات، وبقي ناشطاً فيها حتى مغادرته للقامشلي إلى ألمانيا (1958)، بعد أن كان قد حصل على الشهادتين الإعدادية والثانوية بالتقدم حراً إليها وهو على رأس عمله، وحتى بعد عودته من ألمانيا بقي قريباً من الحركة النقابية التي انطلق منها وتعرف فيها على الحزب الشيوعي السوري.
مثّل الحزب في الحكومة عام 1981 بوصفه وزيراً للدولة حتى عام ،1985 ثم كلف بمهام وزارة الإنشاء والتعمير لمدة عام، وكذلك بمهام وزير الصناعة، وكان عضواً في اللجنة الاقتصادية في رئاسة مجلس الوزراء، ثم مستشاراً اقتصادياً في رئاسة الوزراء.
عمل رئيساً لمكتب تسويق النفط لمدة 16 عاماً (1986 2002).
أما عن علاقته بالحزب الشيوعي السوري فقد تدرج في الهيئات الحزبية، وانتخب عضواً في اللجنة المركزية لعدة مؤتمرات وعضواً للمكتب السياسي في المؤتمرين العاشر والحادي عشر، وساهم في إعداد التقارير الاقتصادية والاجتماعية للعديد من المؤتمرات الحزبية.
أبحاث ومقالات
يتضمن الكتاب مقالات نشرها الراحل في مجلة (دراسات اشتراكية) وصحيفتي (نضال الشعب) و(النور)، ومحاضرات اقتصادية ألقاها في المراكز الثقافية، وأبحاثاً ومداخلات لندوات فكرية وسياسية ومؤتمرات محلية وعربية وعالمية، تناولت مواضيع اقتصادية راهنة دارت حولها سجالات وحوارات، وقضايا فكرية تهم الحركة الشيوعية والعمالية. وشملت مقالاته وأبحاثه قضايا التعددية الاقتصادية كمفهوم ملتبس يحتاج إلى دراسة ووضع أسس صحيحة له تحافظ على ريادة القطاع العام وتعطي هامشاً واسعاً للقطاع الخاص الإنتاجي، كما تناول أزمة النفط العالمية أسبابها ونتائجها، فهو يؤكد أن كلاً من ارتفاع أو انخفاض أسعار النفط يعد مؤشراً لوجود أزمة النفط.
مفهوم اقتصاد السوق الاجتماعي الذي طرحه المؤتمر العاشر لحزب البعث والفريق الاقتصادي الحكومي أيضاً تناوله الراحل بالتحليل والنقد، إضافة إلى الأزمة المالية والاقتصادية العالمية وانعكاسها على الاقتصاد الوطني، ومهام الأحزاب الشيوعية والعمالية تجاهها، وتشابك السياسي والاقتصادي في هذه الأزمة، وقصور ومحدودية المعالجات الرأسمالية لها، وضرورة مراجعة النهج الاقتصادي للحكومة السورية بما يخفف من تأثيرات الأزمة على الاقتصاد السوري ويطلق عملية التنمية.
كتب الراحل ل (النور) عن الجفاف والأمن الغذائي والمنطقة الشرقية، وانتقد التدابير الحكومية والعبارات الغائمة في تحديد السياسة الحكومية لمواجهة هذه المشكلة المزمنة، وعن ضرورة زيادة الأجور للعاملين في القطاعين العام والخاص، وتأثيرات انخفاض الدخول ليس فقط على معيشة الطبقات الشعبية، وإنما على تطور الاقتصاد الوطني وفعاليته.
الإصلاح الاقتصادي الذي طرح مع بداية الألفية الثالثة تناوله الراحل في أكثر من مقال أكد فيه ضرورة التعجيل بتنفيذ الإصلاحات وأن يكون الإصلاح شاملاً للوضع الإداري والاقتصادي ولسيادة القانون على جميع المستويات، وضرورة البدء بالإصلاح السياسي وتكريس التعددية بمحتواها الديمقراطي، وبوصفها سمة التنمية الاقتصادية الاجتماعية لمرحلة كاملة مقبلة.
وربط الأزمة الوطنية الكبرى التي ما تزال تشهدها البلاد بالوضع الاقتصادي والاجتماعي الذي ساد البلاد خلال السنوات الماضية، خاصة خلال الخطة الخمسية العاشرة، وتبني خيار الليبرالية الجديدة الذي أدخل تغييرات عميقة على بنية الاقتصاد الوطني بدعمها قطاعي المال والتجارة، وتعمق الفرز الطبقي ونمو رأسمالية طفيلية جشعة تدعمها بيروقراطية حكومية تشاركها في استغلال الدولة والشعب، فازداد الفقر والبطالة، وتجذّر الفساد، ونتيجة ذلك عمّ الاستياء الشعبي، وكان هذا الوضع من أهم أسباب الأزمة.
في جزئه الثاني تضمن الكتاب نماذج من مساهمات الراحل واقتراحاته خلال عمله مستشاراً في رئاسة مجلس الوزراء، لتحسين الأداء الاقتصادي وتدعيم دور الدولة في الحياة الاقتصادية وتشجيع الرأسمال الوطني المنتج وحماية القطاع العام وتطويره، والدعم المتعدد الأشكال للطبقات الفقيرة والمتوسطة، منها تقارير حول إعداد الموازنة، وتنظيم الإدارة الاقتصادية، ومشاكل القطع الأجنبي، ومسألة التصدير، وحول مشاريع الري واستصلاح لأراضي، والخطة الخمسية وإعدادها، وأهمية تنشيط الإنتاج الصناعي في الريف السوري.
الراحل في عيون محبيه
أما الجزء الثالث فقد تضمن مقالات وكلمات عن الدكتور داود حيدو لرفاقه وأصدقائه والذين عملوا معه خلال مراحل حياته الغنية، إذ لم يكن الرجل اقتصادياً فحسب، بل شخصية اجتماعية وسياسية التفت حولها نخبة من العاملين في الشأن السياسي والاقتصادي، تألموا لفراقه، وكتبوا عنه. يغلب على هذه الكلمات بطبيعة الحال الجانب الذاتي الشخصي في علاقة الراحل برفاقه وأصدقائه ومحبيه وزملائه في العمل، فيكتب بشار المنير: (في حضرة الشيوعي النبيل داود حيدو تخجل من رفع صوتك، فهو المسالم الرقيق، لكن احذر، فعندما يتعلق الأمر بحرية سورية، ومواجهة الإمبريالية الأمريكية، ونصرة الفئات الفقيرة، وخاصة العمال، فسيعلو صوته، وسيحتدّ). وكتب خالد نعمة عن دراسة أعدها الدكتور حيدو تحت عنوان: (موضوعات حول نظرية اقتصاد الحرب) ولم تلقَ الاهتمام الكافي، ويضيف: (المواضيع التي تعالجها الدراسة هي في غاية الأهمية، مهما كان شكل الحرب المعلنة، خصوصاً في هذه المرحلة من حياة سورية، التي تجري فيها حرب حقيقية، لكن ليس على الحدود فقط، وإنما في الداخل السوري أيضا حيث يجري اقتتال شرس بين مكونات من الشعب السوري).
الدكتور فؤاد اللحام يشير إلى (ثلاثة جوانب هامة تكاملت في شخصية الدكتور داود حيدو: الأكاديمي المتميز، والمسؤول الكفء، والحزبي الملتزم، يضاف إلى ذلك ما عرف عنه من صراحة وجرأة كانت دائماً مثار اعتزاز من أحبه وتقدير من اختلف معه).
الدكتور منير الحمش يستعيد ذكرياته مع الراحل في خمسينيات القرن الفائت، ثم اللقاء لاحقاً في النشاط الحكومي والاقتصادي في دمشق، ويقول: (لم يكن لقائي وتوافقي مع داود مجرد عواطف وعلاقات اجتماعية أو إنسانية، كان أعمق من ذلك، فقد كنا نلتقي في تحليلنا المشترك للأوضاع الاقتصادية في سورية، ولآليات وسياسات الاقتصاد، من خلال دور فاعل للدولة، وعملية مستمرة للتنمية، وموالاة بلا حدود للفئات المهمشة في المجتمع). هناك كلمات غنية وهامة لكل من يعقوب كرو، د. دلال عيسى، حمزة برقاوي، جان قواق (مطران دمشق للسريان الأرثوذكس)، د. رياض الشايب، د. إلياس نجمة، دانا إلياس، سلوى زكزك، د.جورج جبور، د. مجيد مسعود، زهرة إلياس، زهير الخاني، عيسى فتوح، د.كمال شرف. يختتم الكتاب برسائل تعزية بوفاة الفقيد من أحزاب وشخصيات عامة، وكلمات مؤثرة من عائلة الراحل وأقاربه، وصور من محطات هامة في حياته.
نقتطف مما كتبته رفيقة عمره لويزا عيسى التي عملت على تنفيذ ما أمكن من رغبة الفقيد في كتابة مذكراته، التي تتضمن مواقفه من القضايا الاقتصادية ودراساته وأبحاثه:(كان للتأييد الذي لمسته من الأهل والأصدقاء والرفاق دور هام بإظهار هذا العمل إلى الوجود بالشكل اللائق والمناسب، فشكراً لكل من ساهم وكتب وعبر عن ما يكنه للراحل من احترام ومودة، وأخص بالذكر قيادة الحزب الشيوعي السوري الموحد على موافقتها اعتبار هذا الكتاب من منشورات الحزب، والشكر موصول للرفيق بشار المنير الذي تحمل عبء المتابعة لإصدار الكتاب كما نرغب له).
داود حيدو… الغائب الحاضر
الكتاب سيرة ذاتية على لسان الراحل وألسنة من رافقوه وعرفوه رجل فكر وسياسة ومواقف وعطاء، وهو تقليد جيد في جمع وتوثيق نشاط المفكرين والمساهمين في مسيرة الحركة الشيوعية والوطنية في بلادنا.
يقع في 320 صفحة من القطع الكبير، وهو من منشورات الحزب الشيوعي السوري الموحد،
وإعداد الباحث بشار المنيّر.