اعترافات.. آخر الليل!
سأعترف بكل ما أملك من شجاعة وقوة وبراءة.. سأعترف لكل من يرتدي عباءة الكرامة.. وغطاء الحق.. وسيف الإصلاح. وسأتخلى عن بعض الجدران اللعينة.. تلك التي تهمس لي دوماً كي أبقى ملاصقاً لها، محني الرأس، متقوقعاً حول جسدي، أسير ببطءٍ دون أن يسمح لي بأن أرفع رأسي..!
سأعترف وأنا أهرب من قناعةٍ إلى قناعة.. ومن عدالةٍ إلى عدالة.. ومن نفقٍ إلى نفق..بأنني لا أملك في شخصيتي أيّة ميّزة من مميزات الشخصيّة الحضاريّة المعاصرة. فأنا حتى الآن، لا أعلم أسماء قصّات الشعر وأنواع »الجيل« المناسب لكل حفلة، ولا أميّز العطور الفرنسيّة من تلك المبيدات المخصّصة للقضاء على الناموس والحشرات الطائرة. ولا أعلم شيئاً عن الجوائز الأدبية أو الرياضيّة أو الموسيقيّة، أو حتى جوائز اليانصيب التي تقام عبر دواليب الحظ أو تلك التي تسمى حك واربح. ولا أعلم شيئاً عن الأنواع والأجيال المتطورة لهذا الذي يلهون به في معظم أوقاتهم والمسمى بالهاتف الخليوي.. وكل ما أعرفه هو الركض الدائم وأنا ألتفتُ يميناً ويساراً من جوف كهفٍ إلى ظلّ كومة من القش أو التراب حتى أصل إلى مأوى يحتضن خوفي وجزعي..!
وسوف أعترف لكم وأنا بكامل (عريي) أنني لا أملك ورقة بيضاء لأرسم عليها أمعائي ووطني العربي الكبير المنزوع الحدود.. ولا ورقة كرمة أقتات عليها.. ولا ورقة توت أختبئ خلفها بعد أن سقطت كل أوراق التوت، وبعد أن حاصروا دودة الحرير وصادروا كل الشرانق الغنيّة بالحرير، ليصنعوا منها لباساً لهم يمارسون به نزواتهم الخبيثة..!
وسوف أعترف لكم أنني أحمل دائماً في جيوبي حجارة وقطعاً معدنية ثقيلة، لأنني أخاف رياح الغدر إن هبّت أن تقتلعني من مكاني وتلقي بي بعيداً بعيداً. فإذا هبّتْ وزمجرتْ فإن ما أحمله معي يُبقي على بعض جذوري في التراب دون أن تستطيع اقتلاعي اقتلاعاً نهائياً..!
وسوف أعترف لكم أنني انتهازيّ ووصولي، فعندما ساد الفساد وعمّ الظلم وتربّعتِ المحسوبيّات على مرأى من نظري. انتهزتُ ذلك وصفّقتُ بكل ما أملك من دموعٍ ومرارةٍ وقهر على مستقبلي ومستقبل أولادي الذين يحلمون بغدٍ مشرق، ودفعتُ ثمن الوقوف في وجه ذلك الفساد والظلم الكثير من أوراقي وثماري وكلماتي!
تصارحتُ مع كلماتي التي تصيبني بالتخمة دائماً، وأبلغتها بأنها ستبقى عذراء ولن تتحوّل إلى خادمة، أو ممسحة، أو رصيف. حتى ولو ارتدتِ الثياب المرقّعة والبالية، وظلّت تمشي تحت حرارة الظلم الحارقة وهي حافية الحروف..!
وسأعترف لكم أنني حتى هذه اللّحظة، وبعد أن لفظني رحم والدتي إلى رحم الحياة ومرارة التجارب منذ أكثر من ألف عام. لا أعلم إن كان عليّ أن أتحدّث عندما يعمّ الصمت، أو أن أصمت عندما تندلع الأحاديث ويصبح للكلمة ثمن باهظ، وللموقف ثمن باهظ وللصمت ثمن باهظ. ولا أعلم إن كان عليّ أن أحزن كلما فرح الآخرون بما ينهبون ويجمعون ويستولون ويصادرون ويتاجرون بالمال والدماء والبنين.. أو أن أفرح كلما حزن الآخرون على اكتشاف أمرهم وافتضاح مخططاتهم ومشاريعهم والحجز على أموالهم المنقولة وغير المنقولة ودموع نسائهم وتوقّف عرباتهم الجميلة والفارهة وإغلاق عقاراتهم ومحلاتهم التجارية بالشمع الأحمر أو الأصفر.. وأن أقلق كلّما فرّخ وطننا العربي قبيلة أخرى أو دولة أخرى أو مشيخة أخرى أو إمارة!
وسأعترف لكم أخيراً بأنني أصرخ، وألعب، وأبكي، وأضحك، وأندهش، وأجزع، وأغني، وأحزن، وأرقص، وأكتب، وأرسم، ما دام الليل يحيط بسريري ويطبق عليّ بردائه الأسود الفضفاض دون أن يكون لصراخي ولعبي وضحكي واندهاشي وجزعي وغنائي وحزني ورقصي وكتابتي ورسمي أي أثر يتجاوز حدود غرفتي، بل دعوني أصارحكم.. دون أن يتجاوز ذلك حافة السرير!