سبب الفيضان.. اتحاد القطرات
مَن كانت جذوره عميقة وطبعه أصيل، لا خوف عليه من الضّياع أو السقوط.. فدائماً كانت الأشجار العالية عميقة الجذور في باطن الأرض.
إنّما الشجرة بحاجة إلى شجرة أخرى تساندها وتقف إلى جانبها، لمواجهة العواصف والزوابع ورياح الشتاء. فالشجرة الوحيدة معرضة دائماً للقطع والاغتصاب، مَثَلُها مثل أي غزال شرد عن قطيعه، فأكلته الذئاب، أو بجعة ضيّعت سربها فتاهت في الفضاء.
الشجرة الوحيدة لا تكوّن غابة، والزهرة اليتيمة لا تصنع حديقة بمفردها، والغيمة التي لم تنضم إلى أخواتها من الغيوم ستبقى أمطارها قليلة، والحجارة إذا لم يجتمع بعضها إلى جانب بعض، لا يمكن أن تصنع جداراً، والصخرة مهما كانت كبيرة وقاسية لا يمكننا أن نبني منها قلعة، فالقلاع بحاجة إلى صخور كثيرة، مثلما البحار بحاجة إلى أنهار عديدة تصب فيها كي تبقى ممتلئة. لذا.. وَجَب على الأشجار الطّيبة أن تجتمع لتكوّن غابة مثمرة، وعلى الأزهار العطرة أن تتّحد لتصنع باتحادها حديقة جميلة. ولا يقوى الجسد إلا بروحه، ولا تقوى اليمين إلا بالشمال، ولا يرتفع الجبل إلا بأوديته العميقة، ولا النجوم تظهر بشكلٍ أقوى وألمع إلا بوجود ليلٍ دامس يغطّيها، ولا تزداد النار اشتعالاً إلا بالقش الخفيف والأعشاب اليابسة.
إن كل قوة ستبقى هشّة ومعرضة للكسر إذا لم تتّحد بغيرها من القوى – حتى ولو كانت قوى ضعيفة – فاليد اليمنى تزداد قوة بوجودها إلى جانب أختها الشمال، والحلقة مهما كانت قوية ومصنوعة من الفولاذ، لن تصبح جنزيراً إذا لم تلتق وتتّحد بغيرها من الحلقات.
إن العود اليابس سيزيد لهيب النار ويرفع ضوءها، والقطرات الصغيرة قد تكون السبب في طفح الكيل وطوفان النهر، وفيضان البحار.
(إن كل قوة تأتي من الاتحاد، وكل خطر يأتي من التفرقة، وإذا اتّحد الأشرار فعلى الأخيار أن يتّحدوا، وإلا سقطوا ضحيّة لهم).