شركات تسرقهم ومتعاقدون يبتزونهم: التأمين الصحي لـ700 ألف عامل على حافة الانهيار

يقف مشروع التأمين الصحي في سورية في عنق الزجاجة، إذ إن تجربة السنوات القليلة الماضية، منذ انطلاقته المبدئية، والاستعداد له تشريعياً أواخر ،2009 لم تك كما يجب، ولم تصل إلى مستوى تطلعات 700 ألف مشمّل بهذا المشروع إجبارياً. وتكاد الانحرافات في مسار التأمين الصحي، أن تعطّله، وتجعله أثراً بعد عين، لاسيما أن شركات إدارة النفقات الطبية، تمكّنت، بكل جرأة، من ابتزاز المشمّلين بالمشروع، وإلحاق الظلم والغبن بهم.

حامل بطاقة التأمين الصحي في سورية، غير محظوظ، وأصابته الخيبة العارمة، من طرائق معاملته غير الجيدة، من قبل شركات إدارة النفقات الطبية الست العاملة في السوق المحلية، إذ يشعر أن أمواله تذهب هدراً، ومساهمته في هذا المشروع عبر اقتطاع 250 ليرة شهرياً من راتبه، لا تعود عليه بالفائدة، وكذا مساهمة خزانة الدولة ب 5 آلاف ليرة سنوياً عن كل حامل بطاقة تأمين صحي، وكأنها تسدد في المكان الخطأ، نظراً إلى غياب الجدوى الصحية منها، وعن تحقّق المنفعة المراد تحقيقها. وتعد المشكلات التي أوجدتها شركات إدارة النفقات الطبية، بالتعاون مع المؤسسة العامة السورية للتأمين، الجهة المشرفة على هذا المشروع الوطني، كفيلة بإفشال المشروع، وتفريغه من مضامينه المهمة، وتحويله إلى مجرد مطرح للكسب غير المشروع، والاستفادة منه بطرق قانونية مستغِّلة الجهل التأميني، وعدم الاستجابة لشكاوى المشملين بالتأمين الصحي، وعدم الاكتراث بمطالبهم، وعدم تلبية حقوقهم، كما نصت العقود المبرمة.

حصل المشملون بالتأمين الصحي، وهم العاملون في القطاع الإداري بالدولة، على أدنى الخدمات والرعاية الصحيتين، وأشيحت عنهم وجوه الأطباء والصيادلة والمشافي المتعاقدون مع شركات إدارة النفقات الطبية، وتخلى هؤلاء عن واجبهم الطبي، وقسم أبيقراط  بالنسبة للأطباء  ليكون الحامل المادي هو الأساس في تقديم الخدمات العلاجية، نزولاً عند ضغوط هائلة تمارسها شركات إدارة النفقات، التي هّمها الوحيد فعلاً هو الربح، على حساب صحة المشملين بالتأمين.

ثمة صعوبة بالغة في إيجاد نقاط مضيئة في تجربة التأمين الصحي بسورية، للاستناد إليها، والتأكيد على الوقوف على مسافة واحدة بين مقدمي الخدمات والمشملين بالتأمين، بدليل أن وزارة التربية التي لها الحصة الأكبر بالتأمين الصحي (نحو 360 ألف مشمّل)، لم توقع العقود العام الجاري، وحذت وزارة الصحة  بعدد المشملين البالغ لديها 90 ألفاً  حذو وزارة التربية. ما دفع المؤسسة العامة السورية للتأمين، إلى دق ناقوس الخطر، والتحذير من مغبة هذه الخطوات التصعيدية من قبل وزارتي التربية والصحة، وأوقفت مؤخراً تقديم الخدمات الطبية للمشملين بوزارة الصحة، والتهديد بأنها ستتخذ إجراءاً مماثلاً بحق وزارة التربية. هذا ليس نشراً للغسيل، أو كشف ما خبأته تجربة التأمين الصحي حتى الآن، من مشكلات وسلبيات، طفت على السطح، وتكاد تطيح بالمشروع. ها هو ذا الواقع الفعلي والحقيقي للممارسات الخاطئة بحق المشملين بالتأمين الصحي، ونتيجة حتمية لحالتي الاستغلال والابتزاز اللتين يتعرض لهما المشملين بهذا التأمين، على مرأى ومسمع الجميع، دون أن يرف جفن لجهة مشرفة، أو تتخذ وزارة المالية، بوصفها المرجعية العليا حكومياً، أيَّ إجراء يعيد التأمين الصحي إلى مساره الصحيح، وإلى سكته المفترض أن يسير عليها، وتقييم التجربة عقب أربع سنوات عجاف، بالنسبة للمشملين، ورابحة جداً بالنسبة لشركات إدارة النفقات الطبية، ووقوف السورية للتأمين بين ناري الربح والخسارة.

الطامة الكبرى في التأمين الصحي، هي في تغييب وزارة الصحة عن قضية اختصاصية، وترك الأمور مرجعية لا علاقة لها بالطب، أي شركات إدارة النفقات الطبية، التي تتحكم بمصير عشرات آلاف المرضى، في نوعية علاجهم، وفحوصهم الطبية، وإمكانية تقديم العلاج اللازم لهم. تصوروا أن طبيباً متعاقداً مع هذه الشركات ملزم بأخذ الموافقة من شركات إدارة النفقات الطبية، لتقديم علاج جراحي مثلاً لمريض ما؟ تصوروا أن مريضاً بحاجة إلى علاج معين يقرره الطبيب يحتاج إلى المراسلة مع الشركات المذكورة حتى يتسنى له إتمام العلاج؟ وتصوروا أيضاً أن من يعطي هذه الموافقات من عدمها، موظف غير خبير، ولا علاقة له بالطب، ولا يعرف منه شيئاً، بل هو مجرد موظف يرد على الهاتف و(إيميلات) الأطباء؟ وكذا هو الواقع بالنسبة للصيادلة، الذين ذاقوا مع الأطباء الأمرّين، وربما تجرعوا السم مع الدسم الوهمي الذي قدمته شركات إدارة النفقات الطبية لهم وللمشملين بالتأمين الصحي على حد سواء. إذ مارست هذه الشركات أقصى حالات الابتزاز، والاستغلال، لتكون فعلاً شركات لإدارة (السرقات) الطبية في مشروع التأمين الصحي، الذي يقف على حافة الانهيار.

العدد 1188 - 25/02/2026