الخبز الدامي

كلما أخرج رغيفاً من الكيس أعاد عدّ الأرغفة المتبقية، كم ستصمد أمام غول الجوع؟

هل ستتاح له الفرصة مرة أخرى لشراء ربطة خبز أخرى تسكت عنه تلك المرأة التي لم يحب أحداً كما أحبها، شريكة الأيام الصعبة والفقر و(التعتير).

كيف أصبح لا يريد رؤيتها حتى لا تواجهه بعجزه عن تأمين الخبز، الخبز يا أمة الله؟

 قالت له: عجزتَ عن المازوت، قلنا أزمة وهو لا واسطة له ولا مال، وبقينا تحت ما تبقى من أغطية وبطانيات.

عجزتَ عن الغاز، قلنا لا يستطيع مقارعة البرد والوقوف في الطابور ساعات وهو يحمل الجرة، وربما يعود خائباً، فأصبحنا نطبخ على الكهرباء حين تأتينا، أو نأكل مما استطعنا تهريبه من حواضر البيت في هروبنا الأخير منه.

أما الخبز، فبماذا سأقنع الصغار؟ ستأتي به ولو أمضيتَ ليلك ونهارك أمام المخبز.

قال لها: يا امرأة الوظيفة هي مورد رزقنا الوحيد، ومديري لا يقبل تأخيراً، والفصل من الوظائف الحكومية شغَّال بسبب وبدون سبب… يختلقون الذرائع لتخفيف عبء الموظفين عليهم من جهة، ومن جهة يعينون الآلاف بموجب صكوك رضا وغفران، وكل طابور يحتاج إلى أربع ساعات أو خمس لتصل إلى دورك فيه.

لكن لا مفر ستأتي بالخبز يا عدنان.

هذه الربطة التي بين يديكَ اشتريتَها بمئة ليرة حتى لا تتأخر عن عملك.. حسبتَها بالورقة والقلم، إذا تأخرتَ عن الدوام فسيحسم من الراتب أجرة يوم، 400 ليرة، فلأشترِ الربطة بسبعة أضعاف سعرها مقابل أن لا أخسر أكثر.

لكن نزيهة تعرف جيداً ما في جيبي، تستلم مني الراتب أول الشهر وتوزعه على أيامه الثلاثين، ولا يمكن أن تحوّل ليرة واحدة من مخصصات غد لليوم، تعرف أنه لا مورد سوى هذه الليرات القليلة، ويجب أن نعيش بها… تعطيني كل صباح أجرة المواصلات بعد أن توقفت الدولة عن تأمين موظفيها إلى أماكن عملهم، مع ثمن ما تطلبه للبيت بالورقة والقلم. هذه المئة ليرة التي دفعتها للولد الذي كان يحمل أكداساً من ربطات الخبز الساخن كانت مخصصة لشراء الخبز والخضرة، بطاطا وبصل فحسب… يومئذ رويت القصة لزميلي في العمل، فأعطاني مئة ليرة وهو يهز رأسه، أعرف أنه لا يقل بؤساً عني، لكنها العِشرة والمحبة… وهكذا مرت الحكاية عليها، (اشتريت ربطة من الفرن)، قلت لها باعتزاز مصطنع:

غدا سيكون امتحاني التالي، سأحاول الذهاب الساعة الرابعة فجراً بعد صلاة الصبح علني أصل إلى الكوة قبل الثامنة صباحاً وأصل إلى عملي بلا تأخير يستوجب العقاب.

موجز ما حصل في اليوم التالي:

الطابور كان طويلاً، رغم أن العتمة تلف المكان، حتى الأولاد الذين يبيعون الخبز خارجاً كانوا هناك؟ توقف رجل في نهاية الأربعينيات على بعد مئات الأمتار من كوة البيع، كان يلبس سترة خفيفة، ويلف رأسه ووجهه بلفحة مهترئة، وبدأت الحركة السلحفاتية للطابور، كان يدفىء يديه بأنفاسه ثم يعيدهما إلى جيبه، ما زال يحاول عدَّ الرجال الواقفين في الطابور، هناك طابور آخر للرجال وثالث للنساء.

نظر الرجل إلى ساعته المتعبة، إنها الثامنة صباحاً، وما زالت أمامه أمم من الرجال النائمين وقوفاً، خرج من الطابور ونادى واحداً من باعة الخبز في الخارج، أعطاه مئة ليرة، حمل كيس الخبز ومضى مسرعاً، كانت أزمة المواصلات في أوجها وقت ذهاب الموظفين إلى أعمالهم، حاول مراراً أن (يتعربش) بباب الباص دون جدوى، أخذ الأوتستراد المفضي إلى وسط المدينة مشياً، أراد أن يقطع إلى الجهة الأخرى منه، كان يهمهم بينه وبين نفسه، وعينه في الأرض، مستعيداً سيرة الأمس، الرضا الذي كان يغمره في حيه الصغير البائس قبل أن تشتعل الحرب، قطعت شروده سيارة مسرعة فتحت صوت منبِّهها عالياً وشقت الأرض، لم يلحق أن يرفع عينه ويراها، صار الخبز وعدنان أشلاء في المكان.

طوال ذلك النهار كانت أرغفة مصبوغة بالدم تتناثر على أسفلت الطريق، فيما استمرت حركة السير اعتيادية بطيئة والحواجز تفعل فعلها في جعل الحياة أجمل.. واصل التلفزيون المحلي بث نشرات أخبار عن انتصارات في كل بقعة من الوطن وأغان تمجد الوطن والتضحية والفداء.

بقيت الطوابير راسخة على باب المخبز، بقيت نزيهة وأولادها الثلاثة ينتظرون عدنان والخبز. بقي مديره يرفع اسمه بين الغياب كل صباح حتى يدخل المدة القانونية لفصله من عمله… فيما بدأت تختفي رويداً عن أرض الشارع آثار دماء وفتافيت خبز أحمر… وأحلام مسفوحة على الأسفلت.

العدد 1194 - 15/04/2026