حروب الأطفال القادمة
يستقي الأطفال ألعابهم من البيئة المحيطة بهم، فأبناء قرية سورية في سبعينيات القرن الفائت كانت ألعابهم من صنع أيديهم من مواد في متناولهم من الطين، أغصان الشجر، الماء، الحجارة،… الخ، لم تكن الكهرباء وألعاب الكومبيوتر فضلاً عن ألعاب الموبايل و(بلاويه) قد دقّت أبواب مخيلاتهم الغضة والفسيحة في آن.. كان المختصون والمربون وما زالوا يدعون إلى تجنيب الأطفال مشاهدة مشاهد العنف والتعذيب والقتل في الأفلام أو نشرات الأخبار…
ما يحصل في سورية منذ عام 2011 أن الأطفال كانوا وما زالوا في قلب العنف، يشاهد الأطفال السوريون في ما يقارب 70 بالمائة من الجغرافيا السورية بالعين المجردة مشاهد القصف الجوي والبري وقتل الإنسان لمن يفترض أنه (أخوه) الإنسان بجميع الطرق التي ابتدعها (قصفاً، رمياً بالرصاص، شنقاً، ذبحاً، حرقاً وهو حي طبعاً،.. الخ) فضلاً عن الأطفال الناجين من المجازر الجماعية التي حدثت بالمئات وربما بالآلاف على امتداد ساحات الصراع في سورية، وهم شهود أحياء ويتحدثون بعيون غادرت طفولتها سريعاً، بفضل الحكمة المتناهية والوعي المنقطع النظير في معالجة انقسام وطني بدأ منذ زمن طويل، لكنه بقي تحت رماد الخوف والشعارات والصراخ والزعيق، ثم ظهر إلى العلن بعنف غير مسبوق نتيجة الكبت الطويل من جهة والإصرار على إبقاء الوضع على ما هو عليه، وليّ عنق التاريخ والواقع من جهة أخرى.
لن نعيد ما تقوله الدراسات الكثيرة والمتوفرة على الإنترنت لمن يرغب عن آثار مشاهد العنف والدمار الكبيرة والخطيرة على الطفل الذي يشاهدها فحسب.. لكن ماذا عن الطفل الذي يشارك في الحرب؟، يحمل بندقية أثقل من جسمه النحيل، ويقتل الناس بعد أن حشوا دماغه بمقولات الجهاد وقتال الكفار والخلود في جنات النعيم…الخ
وفي الضفة الأخرى، يحمل مراهقون السلاح تكسباً للقمة العيش أو (كف بلاء) لأن الميليشيا المتعددة والمتنوعة لا ترعوي عن قبول ذوي الأعمار الصغيرة ما داموا قادرين على حمل السلاح والموت سريعاً في معارك مدفوعة الثمن؟… ماذا عن أطفال يُجمعون في معسكرات، يعزلون عن ذويهم وعن المجتمع والحياة، ليلقنهم قتلة محترفون أصول القتل والتفجير والانتحار بين أناس هم كلهم أعداء حتماً حسب (الحشيش) الذي يتعاطاه المدرِّب والمدرَّب؟!..
ماذا عن طفل سيق أبوه أو إخوته أمامه إلى ساحات الإعدام أو إلى معتقلات الموت ولم يعودوا حتى جثثاً؟ ماذا عن ذاكرته التي لن تُمحى منها هذه المشاهد الفظيعة، قتل أحد ذويه، اغتصاب نساء من العائلة، ذبح أقرانه… الخ؟؟…ما الذي نتوقعه من شاب أمضى طفولته ومرحلة تكوينه النفسي والجسدي في هذه الحرب المجنونة، الحرب التي من غير المسموح أن تسأل فيها لماذا (نحن) و(هم) أعداء ونقتل بعضنا ونحرق بيوتنا ومحلاتنا ومزارعنا؟؟؟؟؟؟
أدعي أن من أكبر المعضلات التي ستواجه صاحب القرار والمجتمع والمربين والآباء والأمهات بعد انتهاء الحرب(هل ستنتهي؟) لا إعادة إعمار ما دمرته الحرب وجنون الحقد من العمران والشجر ومستلزمات الحياة(وهي مهمة شاقة وعسيرة جداً)، بل من أرواح هؤلاء الأطفال الذين يكبرون سريعاً وهم مدججون بكل قذاراتها وأحقادها ومسلّماتها الكالحة.