هل يفعلها أم أنه مجرد كلام؟

وزير العمل يبشر باستيعاب قوة العمل بالكامل

يفاجئنا جداً، ما يُنقل  حتى لا نقول ما يقوله  عن وزير العمل الدكتور حسن حجازي، لاسيما لجهة حل مشكلة البطالة، وإيجاد فرص عمل للعاطلين عن العمل، والداخلين سنوياً إليه بقوله: الوزارة أتمّت خطة لاستيعاب قوة العمل بالكامل. كلام وزير العمل جاء في معرض رده على أسئلة طرحت في مجلس الاتحاد العام لنقابات العمال أواخر الشهر الماضي، وأتى ليزرع الأمل المستقبلي، في نفوس ملايين الشباب الذين فقدوا فرص عملهم، أو العاطلين عن العمل بامتياز، الذين حولتهم البطالة إلى عالة على أسرهم ومجتمعهم، وتُركوا عرضة للضياع بشتى أنواعه، ومختلف مخاطره.

لانعتقد أن الوزير حجازي كان يعني ما يقوله حرفياً، ولا نعتقد أن هذا القول يمكن تحقيقه في المدى المنظور، أو بالحد الأدنى عقب أن تضع الأزمة في سورية أوزارها، ويجب علينا ألا نستكين إلى كل تلك الوعود التي يطلقها مسؤولون وخبراء وأكاديميون، وتتعلق بمرحلة إعادة الإعمار، ومدى الحاجة إلى عمالة متنوعة فيها. فهذا كلام لايمكن القبول به، ولايمكن الاستناد إليه، لحل أكبر وأضخم مشكلة من جملة المشكلات التي يعانيها الاقتصاد الوطني.

يتحدث الوزير حجازي عن خطة، ومن أسهل الأعمال اليوم أن تضع خططاً لمرحلة قادمة، ملامحها مبهمة، وموعدها غير محدد. كما لا يمكن وضع تصور أكثر من أولي في هذا المجال، ولابد من التوقف عند مسألة على غاية من الأهمية: من هي الشركات التي ستعمل في إعادة الإعمار؟ في الإجابة الأولية عن هذا التساؤل الجوهري، ثمة موقف حكومي بأن الشركات الوطنية، واليد العاملة الوطنية، هي من ستتصدى لهذه المهمة، لكن من يثق بهذا الكلام؟ ومن يضمن أن التسوية السياسية القادمة لن تفرض شروطاً في هذا المجال؟ ومن لايرى أننا قد نكون بحاجة إلى شركات غير سورية، وهذه قد تأتي بكوادرها؟ هذه المعطيات الأولية، تسقط الرهان على ما يقال في هذا الصدد، وتضع الحقائق أمام أصحاب الرأي الذي يصر على موقف تطميني، وفي الاقتصاد المواقف التطمينية، أو بوادر حسن النية، لا محل لها في الاتفاقيات النهائية.

وفي عود على بدء، لتنفيذ كلام وزير العمل، وتطبيق خطته الطموحة، فإننا نحتاج وفقاً للتقديرات المتداولة خلق فرص عمل تستوعب أكثر من ثلاثة ملايين عامل سوري عاطل عن العمل فقدوا عملهم في الأزمة، وحسب التقديرات الرسمية قبل عام ونصف، فإننا بأمس الحاجة لفرص عمل حقيقية، تمتص 40% من البطالة المقدرة. هذه الأرقام التقديرية، هي في حدها الأدنى، ومن المتوقع أن تزيد نظراً لكثير من العوامل، أبرزها، أن عمق الأزمة، سيؤدي إلى مزيد من التحديات في هذا المجال، وبالمقابل، سيسهم في حالة يمكن وصفها بالتأنّي المبرمج والممنهج، في مجال دخول الاستثمارات القادرة على امتصاص هذه الأعداد الهائلة من اليد العاملة. كما أن حجم خسائر الأسرة السورية أثناء الأزمة، سيدفع أفرادها إلى طلب المزيد من فرص العمل، لسد الفجوة بين الحاجة وتراكم الخسائر، كما أن نظرية اليد العاملة المحلية الرخيصة الأجر، ستفتح الأبواب أمام مختلف انواع البطالة ما يتطلب تنظيم سوق العمل، وهذا أمر لا نعتقد أن وزارة العمل حالياً، أو عقب الأزمة مباشرة، قادرة على القيام به.

لابد من الاعتراف أن الوعود، التي مللنا منها، ومن صيغها المتعددة، لا يمكن لها أن تبني اقتصادنا، المتهالك، والمتدهور، وحالته يرثى لها، ومجرد وضع خطط وبرامج، أمر إيجابي بلا شك،  لكنه الخطوة الأولى في رحلة الألف ميل، واللبنة الأولى في أي بنيان قادم، لكن هذا ليس كل شيء. فاقتصادنا وفي أفضل حالاته، وفي ظروف كانت مواتية جداً، لم يستطع حل قضية البطالة، وفشلت جميع المحاولات منذ أن وضع الراحل عصام الزعيم برنامج هيئة مكافحة البطالة، قبل 13 عاماً، فهل سيفعلها وزير عملنا الحالي الدكتور حجازي، ويخلق عبر خطة وزارته ملايين فرص العمل؟

ما يبشر به وزير العمل، كغيره من الوزراء، يستند إلى معطى وحيد، وهو اليوم الأول لسكوت آلة القتل والدمار والحرب في سورية، واللحظة التي ينتظرها كل السوريين، لحظة تعيد إليهم توازنهم، إنها لحظة الحياة القادمة، وهو أمل مزروع في دواخل معظمنا، لكنه في النهاية لايخلق اقتصاداً قوياً، بالرغم من أنه عامل حاسم ومهم جداً.

العدد 1188 - 25/02/2026