هل الاشتراكية أو الليبرالية هما المستقبل لسورية أم أن هناك في المرحلة المقبلة طريقاً ثالثا؟

ظل الفكر الاقتصادي محصوراً منذ نحو قرنين في حدود نظامين يقومان على نظريتين متضادتين: الليبرالية والاشتراكية. وقد تعرضت النظرية الثانية لتدهور مفاجئ، نال من قابليتها للتحقيق، فخلت الساحة بذلك تقريباً، أمام الليبرالية. بيد أن ذلك كان أبعد من أن يصبح انتصاراً لها، إذ تجلت جوانب ضعفها وقصورها بقدر من الفجاجة يفوق ما كانت عليه من قبل.

لقد اعتمد مذهب (دعه يعمل) الليبرالي على أن الفرد النشط يسعى إلى تحقيق مصلحته الخاصة، ولا يستطيع أن يخدم المصلحة العامة اقتصادياً إلا انطلاقاً من ذلك.

وعليه، فإن النظام التلقائي الذي تهيئة تلك التوليفة عن طريق السوق، والمبادرات الفردية، هو أحسن ما يمكن أن تقوم عليه السلطة السياسية، يتمثل في الامتناع عن الإخلال بذلك الوضع. وفيما بعد أدخل آدم سميث اليد الخفية للسوق على هذه التوليفة.

كان على علم الاقتصاد الحديث أن يدعم نظرية آدم سميث، فقد لجأ إلى الرياضيات العالية، وبشروط غير واقعية إلى حد كبير، لكي يثبت أن كل اقتصاد سوق يحيل إلى تحقيق توازن، وأن ذلك التوازن يكون الأمثل. وتعني صيغة التفضيل هذه بالنسبة لأي فرد أن ذلك الوضع أفضل من أي وضع آخر ممكن. إنها تعني المقارنة بين حالتين من حالات الاقتصاد. لكن كيف يمكن لرجال الاقتصاد الحكم بشكل موضوعي وعلمي، بأن وضعاً ما أفضل من وضع آخر، بينما تمس المسألة المستوى العام والدخول والاستهلاك بين المواطنين؟ وببساطة تامة فإن كلمة الأفضل تعني المقارنة بين (حالتين من حالات الاقتصاد).. فالوضع (أ) أفضل من الوضع (ب) إذا كان فرد يستطيع أن ينعم على الأقل في الوضع (أ) بقدر من الاستهلاك أكثر مما يمكن أن يحققه في الوضع (ب) دون أن يخفض من استهلاك فرد آخر. تبدو هذه النظرية لا تقبل المنازعة، إلا أنها غير كافية إلى حد كبير وهي تستدعي إخضاعها للمناقشة والنقد. وقد صادفت نجاحاً كبيراً في عالم الاقتصاد، إذ إنها أتاحت للاقتصاد فرصة الادعاء أنه علم مستقل.

وفي هذا السياق يمكن أن نطرح على أنفسنا سؤالين هامين: هل يقدم لنا النموذج الليبرالي وصفاً صحيحاً لحالة الاقتصاد نتيجة لتماشيه مع آليات السوق، مع كل التحسينات التي أدخلت عليه بمرور الزمن؟ وإذا كان الأمر كذلك، هل يمكننا القبول بأنه الأمثل اجتماعياً؟

الحديث، فهو يتيح إمكان فهم وتحليل بعض الآليات المؤثرة في اقتصاد السوق، إلا أننا نلاحظ أن قدرة هذا النموذج على التنبؤ بالوضع الحقيقي للسوق، في اقتصاد معين، محدودة للغاية، فهناك مجموعة من الظروف الواقعية، وبعضها في غاية الأهمية، وكثيرة الحدوث تدعو إلى الاعتقاد، أن الواقع كثيراً ما يكون بعيداً عن التوازن النظري: فهناك نفقات الحصول على المعلومات، التي تدخل في تكلفة السلعة، والمضاربة التي تؤثر على الأسعار، والعوامل الخارجية وغيرها. وإذا كان الجواب عن السؤال الأول بالنفي، فإن السؤال الثاني يفقد أهميته.

إن تعقّد الظواهر العديدة، وكم المعلومات التي يتعين جمعها، والربط بينها من الضخامة بحيث لا يمكن التأكد، دون المجازفة بالوقوع في الخطأ، من أن كل محاولات التفسير مآلها الفشل. وهذا ما يضفي من جهة أخرى على القواعد الموروثة قيمتها. وتقدم ظاهرة السوق مثالاً مهماً على تلك الطريقة للنظر في الأمر: إنها (نظام تلقائي) بمعنى أنه قائم دون أن يكون أبداً ثمرة قرار اتخذه أي شخص. فإذا تم احترام قواعد الاستخدام التي أوجدها هذا النظام، فإن كل عنصر سيختار النشاط الذي يولّد القيمة ويحقق ربحه الخاص انطلاقاً من المعلومات المتوافرة لديه، والأسعار التي يلاحظها. إن هذا الأسلوب في عرض المسائل لا يتوافق بديهياً مع نظرية الأمثل الرياضية، ما دام هناك استحالة أن يعرف أي شخص كل شيء.

إن أطروحة (دعه يعمل) الليبرالية أثارت اعتراضات حامية. فمصير البروليتاريين البائس وظروف العمل اللاإنسانية التي عانوا منها في بداية الثورة الصناعية كانت مدعاة لسخط فئات اجتماعية واسعة. وقد عبرت مختلف التيارات الاشتراكية، عن تطلعها إلى تغيير المجتمع، وسرعان ما هيمنت عليها الماركسية. لقد جاهرت الاشتراكية أساساً بأن إلغاء الملكية الخاصة لوسائل الإنتاج هو أفضل وسيلة لتغيير المجتمع وأحوال البشر تماماً في الاتجاه الذي يجب أن يسير فيه.

إن أهم إسهام لماركس يتعلق بعلم الاجتماع بالدرجة الأولى، منطلقاً في ذلك من تحليل الاقتصاد الرأسمالي. لقد حلّل، بتعمق، تأثير علاقات الإنتاج والتبادل في العلاقات الاجتماعية عموماً، وفي الأفكار والتنظيم والسياسي. وصاغ بذلك نقداً لا يزال محتفظاً بطابعه المعاصر، وذلك بخصوص الآثار السيئة لاقتصاد السوق في الحياة الاجتماعية عموماً. لكنه اعتقد أنه اكتشف، من خلال رؤية طموحة، قانون تطور المجتمعات البشرية. فالتاريخ بوصفه التجسيد المادي لنشاط الإنسان ـ البديل المادي لليد الخفية ـ يوفر في رأيه الضمان العلمي لنجاح الاشتراكية.

فشلت التجربة. فالقضية الأولى التي طرحتها الاشتراكية هي معرفة من الذي سيمارس عملياً السلطة باسم الشعب.

وبالأخص السلطة المتحكمة في جهاز الإنتاج. لقد أدى ذلك إلى إقامة بنية تكنوقراطية وبيروقراطية واسعة النفوذ، أصبحت فيما بعد مستبدة وعائقة لتطوى القوى المنتجة. لم تكن تتوافر لديها حتى الأدوات النظرية التي تقرر شروط الإدارة الاشتراكية السديدة للاقتصاد. غير أن الكثيرين لم يحاولوا أن يأخذوا بالحسبان تلك العيوب الخطيرة طوال أعوام كثيرة، معتبرين أن سلامة المقترحات الماركسية تأكدت بما فيه الكفاية من خلال صحة الانتقادات الموجهة إلى المجتمع السوقي الليبرالي، وإغراءات الآفاق الوردية.

كان يتعين علينا أن نعرف منذ أمد طويل أنه لا يكفي أن تحدث مواجهة بين أطروحتين لكي تكون إحداهما صحيحة. ومع ذلك وبالرغم من عدم صحة المقارنة بين الأطروحتين من حيث الدوافع، فقد انساقت البشرية وضلت الطريق منذ نحو قرنين من خلال التعارض بينهما، وكلتاهما تحتويان على نقاط ضعف كبيرة. غير أن التعارض بينهما كان شديداً وبلغ حداً لم يترك المجال لأي نقد داخلي لدى كلا الطرفين، وقد آن الأوان لإعادة النظر في ذلك.

تندرج الوقائع الاقتصادية في إطار مجموعة من العناصر المتجانسة القائمة على أساس اجتماعي تاريخي. ولو التزم علم الاقتصاد بإعادة النظر التي تستدعيها تلك النظرة للأمور، لحقق لنفسه تحولاً عميقاً. ويتعين على هذا العلم أن يعترف بأن وجوده لا يمكن أن يكون منفصلاً عن الظروف التاريخية التي نشأ فيها.

إن المرحلة التاريخية التي نجتازها اليوم تتطلب المراجعة الكاملة لهذا الشكل من التأسيس الذاتي المتخيل لمجتمعنا الحديث. ففي عصر العولمة، حيث تتفاقم مشاكل البيئة، ويهدد تزايد عدد السكان العديد من مناطق العالم، لم يعد النموذج الاقتصادي المنتصر حالياً، مقبولاً. لقد وجهتنا اليد الخفية لآليات السوق نحو نوع من التطور لا يتماشى مع ما يرجوه الجميع أو يتظاهرون بأنهم يسعون إليه، ألا وهو رفع مستوى المعيشة ليشمل سكان العالم أجمعين. إن الواقع الحالي يشي بأن كل فرد في البلدان الرأسمالية المتقدمة يستهلك قدراً من الموارد يعادل ما يتراوح بين 20 و30 مثل ما يستهلكه الفرد في البلدان النامية عموماً. لم يقدم النظام الرأسمالي على تصور للتنمية الدائمة والاعتراف بضرورته. ولا يزال يتعين عليه الإقرار أن أيديولوجيته في المجال الاقتصادي لا تتفق أساساً مع ذلك التصور.

وبما أننا نتحرك في إطار اقتصاد قائم على التخصص والتبادل، فإن تنظيم حصص الموارد بفاعلية يكون عسيراً لو لم يتم اللجوء إلى السوق. بمعنى توفير مجال منظم تتم فيه المبادلات والمساومة على الأسعار.

ولكي تعمل السوق على نحو جيد، يتعين أن تكون هناك سلطة تسهر على أن يحترم من يتعاملون في إطارها عدداً من القواعد العامة للسلوك.

وفيما عدا كل ذلك يكون كل عنصر فاعلاً حراً في تصرفه وفقاً لأهدافه الخاصة مع أخذه في الحسبان المعلومات المتوافرة لديه.

ويحقق التفاوض الحر على الأسعار، الربط في زمن محدد بين مجموع المعلومات المتاحة، علماً أن أحداً لا يمكن أن يكون على علم بتلك المعلومات بالكامل. وهكذا ينجز نظام السوق بشكل متواصل عمليات الاختيار والتوزيع دون أن يكون بمستطاع أي إدارة تنظيم أن تتكفل بذلك بمثل هذه السرعة وبتكلفة أقل. ولايمكن تصور التحكم الدقيق في الإنتاج والاستهلاك بطريقة أخرى.

وبوسعنا أن نضيف أن المنافسة بين المنشآت تكون بصفة عامة وسيلة فعالة إلى حد كبير لاختيار خير عمليات التنظيم والجمع بين عوامل تسمح بالحصول على منتج معين بأقل تكلفة. وقد ثبت كل ذلك من خلال المصاعب العملية التي واجهها التخطيط الاشتراكي. فالمنتجات المخططة لا تتفق مع احتياجات المجتمع وتوقعاته، كما أن تقنيات الإنتاج المستخدمة تؤدي إلى عمليات تبديد هائلة.

فلا غنى عن السوق، بمعنى أن التكلفة الاجتماعية لإلغاء دورها تكون باهظة، على الرغم أن السوق لا تؤدي إلى تحقيق خير المجتمعات الممكنة.

وتمارس الأسواق المالية حالياً دكتاتورية حقيقية على سياسة المنشآت الكبرى والدول، اعتماداً على تحليلات سطحية ومتقلبة، وبالتالي خاطئة بصفة عامة. والسياسة التي تدبر بحكمة على المدى البعيد، ولا تفهمها (الأسواق) سياسة محكوم عليها بالفشل قبل أن يتحقق مفعولها. وينجم عن ذلك تراجع حقيقي يجعل من المحال تقريباً التوصل إلى سياسة اقتصادية رشيدة في المدى البعيد. ويتعذر الدفاع عن فكرة سلامة التوجهات المترتبة على آليات السوق وحدها.

ويتمثل التحديث الذي يتعين على مدرسة اقتصادية ما متحررة من النزاع القائم بين الليبرالية والاشتراكية، في اقتراح أساليب تدخّل لا تترك المستقبل الاجتماعي في قبضة آليات السوق العمياء. وتستخدم خصائص تلك الأسواق التي لا غنى عنها للتوصل إلى إدارة فعالة للاقتصاد، ولكن من خلال النجاح في توجيه النشاطات نحو الأمثل الاجتماعي من الخارج. فالاقتصاد الذي يزعم أنه علم مستقل ذاتياً قادر على إرشاد البشرية نحو أقصى قدر ممكن من الرفاهية المادية يتجاوز في الواقع إمكاناته الحقيقية. أما بالنسبة إلى الأسعار، فهي أداة سياسية بالنسبة لرجل الاقتصاد. إن نظام الأسعار الناتج عن المواجهة بين العرض والطلب له مغزى عميق اجتماعياً. بيد أن الاقتصاد يجب أن يصبح تقنية اجتماعية، يجب أن يعيد النظر باستمرار في التوجهات التي تفرضها السوق وأن يسعى لتعديلها، من خلال تحديد الأهداف ومن خلال استخدام نظام الأسعار كأداة له دون تعسف، ولكن بالتأثير في ظروف تكوين الأسعار.

إن تحديات العالم اليوم تفرض التخلص من ذلك الخطأ المزدوج، فنحن في حاجة إلى شكل جديد من التدخل ينجح في التأثير بعمق في ظروف الإنتاج والتبادل، ويترك في الوقت نفسه للمنافسة بين المنتجين وللاختيارات الحرة للمستهلكين مهمة القيام بدورها. لقد حرفت المواجهة الأيديولوجية بين الليبرالية والاشتراكية حتى الآن أنظار المنظرين عن ذلك التكامل العملي مع الحقائق، وأعاقت بناء عقيدة حقيقية متماسكة للتدخل في اقتصاد السوق.

أخيراً، يجب على أي فكر اقتصادي، أن يكون معبراً، عن المرحلة التاريخية التي يمر بها المجتمع. وفي هذا السياق، يصبح من المهم جداً، في ظل الأزمة السورية التي لا تزال متفجرة، ولما تجد حلولاً لها بعد، بحكم تفاعلاتها الدولية، والتدخلات الخارجية، وبحكم غياب المشاريع التي تضمن تطوراً سلمياً واضحاً لسورية كدولة وكشعب، فيصبح من المهم جداً رسم ملامح المستقبل للبلاد سياسياً واقتصادياً واجتماعياً. لقد فشلت السياسات الاقتصادية السابقة في إحداث التنمية المستدامة، سواء الليبرالية منها، أو المبنية على التخطيط والمركزية. ومن هنا تبرز ضرورة اتباع سياسة اقتصادية تأخذ بعين المرحلة التاريخية التي تعيشها البلاد، ومستوى تطورها الاقتصادي والاجتماعي.

وباختصار، وانطلاقاً من ذلك، يجب أخذ ما هو إيجابي من الليبرالية، بمعنى إعادة الاعتبار للسوق، وللمنافسة، وفسح أمام القطاع الخاص الإنتاجي بالدرجة الأولى، للعمل، مع تأمين المستلزمات الداخلية الضرورية لتطوره، سواء القانونية أو الدستورية أو الحقوقية، وأخذ ما هو إيجابي من سياسة التخطيط الموجه، فيما يتعلق برسم الاستراتيجيات العامة للتطور الاقتصادي، ووضع آليات تحول دون توحش السوق عبر التدخل من قبل الدولة عندما يجب ذلك، لأجل الحؤول دون انفلات السوق من عقاله، مع الحفاظ على قطاع الدولة، خصوصاً في المجالات المفتاحية التي يتعلق بها استقلال البلاد، مع تحسين ظروف عمله، وجعلها ملائمة، وعدم وضع العراقيل أمامه، وإعطائه استقلالية، يستطيع من خلالها التخلص من البيروقراطية، والدخول في منافسة مع القطاع الخاص. إن للحريات السياسية والإعلامية وغيرها دون شك دور كبير في مراقبة كل هذا النشاط وتدقيق عمله.

العدد 1140 - 22/01/2025