خارج النص
في زاوية ما..
يقف الكهل بائع الورد منادياً بصوته الرخيم: ورد، ورد.. يلتفت البائع ذات اليمين وذات الشمال في توسّل محبّب، علّ أحد المارة يغيره انتباهة ويقترب منه بِنّية الشراء؟.
في الحديقة ذاتها يتكرر مجيئهُ، حتى ليحسبه الناظر إليه، آتياً من زمن الأفلام الرومانسية -مطلع الستينيات- مثلاً، حينما كان أبطال تلك الأفلام يحملون الورود، علامة على اللقاء الأول.
يجول البائع، وثمة من يقترب منه بفضول وتندّر، ناهيك عمّن يرمقه بنظرات استغراب ودهشة عاجلة، وغيرهم قررّوا شراء وردة أو اثنتين، على أمل بقية من (فالنتين) مضى بأثر رجعي، ومنهم بالذات عاشقان توسلا لغة جميلة للخطاب، ومسافة للصمت والكلام، لكأن الوردة هي بلاغتها الأخيرة، فردّد البائع بفرح نادر: (خلينّا نشوفكوا يا شباب)!.
خرجت من فضاء الحديقة المكتظة بآلام قدّت من بشر. وفي الشارع المحاذي، بضعة صبية نسوا أعمارهم، يتردد النداء بتفصيل متوهج، وردة للذكرى، وردة للحب.
لكن صغيرةً انتحت جانباً وهي تقول: وردة للسلام ولا أريد ثمناً لها، فقط خذوها ليبدأ نهاركم أحلى!
سرت قشعريرة حارة في عروقي، فقررت شراء تلك الوردة غير مكترث برفضها أخذ النقود. وأنا آخذ تلك الوردة تراءى لي مواكب شهداء كثر، يسير الورد في إثرهم منحنياً بحمرةٍ خجلة، غضة هي أوراق الوردة في يدي، اندلقت منها أزمنةٌ كثيفة راحت تنفتح لتؤثث المكان وانبسطت ورقة أخرى لأدلف إلى أمكنةٍ عادةً يزورها الخيال متواشجاً معها، ليؤلف سمفونيةً لذيذة على وقع حبات المطر الصريحة التي غسلت البيوت الغافية والأفئدة الواجفة، لتسير جداول ضوء باذخ التوهج، وتحفر على الأوراق ذكرى جديدة تبلسم الذكريات العتيقة. صارت الوردة عاصمةً اسمها دمشق، ليس لمن مسّه شذاها إلا أن يمسي شاعراً!
معضلة الأخير..
تساءل أحد حضور ندوة شيقة خُصِّصت لذكرى الراحل الكبير سليمان العيسى، تعقيباً على مقدمةٍ أشارت إلى أن الراحل الكبير سليمان العيسى هو (آخر العمالقة) وكان السؤال: لماذا يقال آخر العمالقة، ومن المعروف أن صاحب القول هو الدكتور عبد العزيز المقالح.
ربما ينطوي ذلك الحكم على زخم عاطفي يستبطن تكريم الشاعر العيسى، لكن النقد في مبالغته في الأحكام يجري مجرى العاطفة في الأغلب الأعم، فهل هو غرور النقد فحسب؟ وعدت بذاكرتي إلى كتاب (في صالون العقاد كانت لنا أيام)، في ذلك الكتاب الضخم الذي يقع في 667 صفحة، يستعير فيه كاتبه أنيس منصور حياة جيلين من مثقفي مصر، جيله هو وجيل العقاد، أما المقاطع اللافتة فيه فهي التي يتحدث فيها العقاد عن أدباء وشعراء مصر، فمثلاً، عندما طلع الناقد محمد مندور على الأدباء بنظرية (الأدب المهموس)، قال العقاد مستغرباً: بل الأدب المنحوس لأديبٍ منحوس. أما طه حسين فقد كان هدفاً لانتقادات العقاد، إذ كان يقول عنه العقاد: يسمّونه عميد الأدب، إنه ليس عميد الأدب.. إنه عميّ الأدب!.
وعلى الأرجح أن صاحب (أنا) بما امتلك من حس لاذعٍ وسخريةٍ حادة لم يكن ينتقص من أحد، لكنها سجالاتٌ ينبغي لها أن تفهم في سياق عصرها واتجاهاته ومرجعياته النفسية والفكرية، حتى بما صاحبها من فكاهةٍ وطرافةٍ لافتتين.
بوحٌ لي..
على مهل أغنية السراب: على النص خرجتُ ليذهب هديلُ أصابعك الندية، أبعد من قوسٍ توتر في عري الجهات، قد قلتُ إن لأهزم أسطورة المنفي في اللغة اليتيمة، بأسطورة أخرى تأخذ العشاق إلى اللغة المقيمة.
ليت القصيدة ترى لتُذهب حزن القلب وتبدِّد الجمل العصية، ليطير يمام الوقت أخضر الحياة!