باص أبي رشا… لكل الأوقات
كلُّ وافدٍ إلى المدينة الصغيرة من المحافظة أو من خارجها كان عليه أن يمر بباص أبي رشا.. الباص ذي (البوز) الطويل والمكشوف بعد أن تكسَّر غطاء الموتور، ولم يعد له بدائل في السوق ولا في بلد المنشأ.
كان شخيره وهو يمخر شوارع البلدة يصم الآذان، وعند كل توقف له يُسمَعُ صفيرٌ متعدد النغمات من تسرب الهواء عبر الوصلات القديمة والمتآكلة، لم تكن سرعته على الطريق الرئيسية تتجاوز الخمسين كيلومتراً بالساعة في أحسن حالاته.
صمد أمام كل التغييرات والتطورات والثورات والانقلابات في سورية.. دخل البلاد في أواخر خمسينيات القرن الماضي، وما زال صامداً رغم دخول وسائل نقل حديثة وخفيفة.. دائمًا يجد له أصحابه عملاً لا تقوم به الباصات والميكروباصات الحديثة.
عندما بدأت باصات (السكانيا القطش بلا بوز) الحديثة حينذاك والسريعة تملأ الطرقات، بقي الباص الفورسون بحركته السلحفاتية ينافس هذه الباصات بأجرته الأقل ووقوفه المتكرر، ولو كانت المسافة أمتاراً بين الوقفة والأخرى.. فكان أبناء القرى المتناثرة على الطريق يفضلونه على الباصات الأحدث التي لا تتوقف إلا في المفارق الرئيسية والمدن والبلدات على الطريق، وتأخذ أجرة أعلى من باص أبي رشا الذي يرضى بما يدفعه هؤلاء الفلاحون الفقراء دون التدقيق فيه حتى لو كان فرنكات.. وروي عن سكان قرية على الطريق معروفين بطرائفهم أنهم طالبوا بلدية المدينة بتركيب (بوزات) للباصات الجديدة ليعرفوا إنْ كان الباص ذاهباً أو آيباً على الطريق.
حين جاءت البولمانات المكيفة والمريحة تراجعت السكانيا والفولفو إلى الدرجة الثانية، واضطر باص أبي رشا إلى الانسحاب من المنافسة، لكنه وجد في توصيل موظفي الدولة وبعض معلمات المدارس وتلاميذها من الأرياف النائية وإليها مهنة هادئة ومربحة.
وفي إحدى المدارس البعيدة عن الطريق توقف الباص وخرج التلاميذ يتسابقون إليه، ليؤمن كل منهم مقعداً، وإلا فسيصعد على الواقف في الرحلة الماراثونية.. وكان مرهف من أكثر تلاميذ المدرسة بدانة يركض في مقدمة الطلاب لأنه خرج من الصف قبل الجميع..لكنه وهو يجر جسده الثقيل التفت إلى زميله الذي خلفه قائلاً: احجزلي جنبك هاه!
من الظواهر المدهشة في الباص التاريخي كان وجود فئران وحشرات بين الكراسي، من كثرة نقل المواد التي يحملها الفلاحون من المدينة وإليها من قمح وخبز وطحين وحليب ومشتقاته وزيت وزيتون، وتسرب بعضها إلى الممرات وأسفل المقاعد المهترئة، نمت (طبقة) من الفئران والنمل وحتى الصراصير ووجدت بيئة خصبة لها. وكان الركاب يرمقونها بحياد تام بعد أن اعتادوا على وجودها. فقد أصبحت مشهداً أليفاً يتناسب مع جسد الباص الذي يشبه طاحونة مهجورة.
أبو رشا السائق الذي ترتبط سيرته الذاتية بسيرة الباص، إذ كان صبياً لم يتجاوز الخامسة عشرة عندما سلمه المرحوم أبوه الدركسيون وهو يزوده بتوجيهاته، ما زال رغم بلوغه الثمانين مخلصاً له لا يقبل بأي اقتراح لاستبداله بباص أحدث أو بميكروباص..كان يقول إن دخول علب الكرتون هذه إلى البلد مؤامرة خارجية لتعويد الناس على الرفاهية، ثم يموتون بالجملة عند أول حادث تتعرض له.. ولأنها مثل الكرتون فعمرها قصير، والأجانب أولاد الحرام يضيفون كل يوم ميزات جديدة لها فيصاب الناس بعدوى شراء الجديد.. والغرب الاستعماري ماذا يريد منا سوى أن نشتري منتجاته ونبيعه كل ما في أرضنا من ثروات؟ هكذا كان أبو رشا يحلل سياسياً ليبرر تمسكه بباصه القديم المتآكل.. وكان يقول لو أن بيدي القرار لجمعتُ كل هذا الكرتون الذي دخلَ البلد وأحرَقْتُهُ، وأبْقَيْتُ على القديم الأصلي المتين.
لحسن الحظ أن أبا رشا لا يملك أي سلطة سوى على باصه، وإلا خيّر الناس بين البقاء في باصه ومجايليه أو الموت حرقًا هم وباصاتهم وسياراتهم الجديدة.
وما زال أبو رشا وأشباهه الكثر مصرين على أن باصاتهم هي الأفضل، وأنها (سبعون عاماً تزداد شباباً).. ولا يقبلون مجرد الحوار في احتمالات أفضل تولد مع كل مغامرة جديدة للعقل البشري.. مؤكدين أن الحياة ستتوقف ما إن تنقل باصاتهم إلى حيث يجب أن (تتيسر..) إلى معمل صهر الحديد..
* شرح الكلمات الأعجمية في المقالة:
باص: حافلة، والبولمان حافلة سياحية مزودة بخدمات ترفيهية.
مكروباص: حافلة صغيرة، ويمكن أن يقال لها حويفلة، والله أعلم.
ماراثون: سباق تشارك فيه أعداد كبيرة من الناس الرياضيين وغير الرياضيين، لذلك يستمر لفترة طويلة.
البوز: المقدمة أو الاستطالة الأمامية للحافلة.
الدركسيون: المقود.
السكانيا والفولفو والفورسون: أنواع حافلات أعجمية، ولا مرادفات عربية لها.