إعادة الإعمار واستراتيجية التنمية الاقتصادية في القطر العربي السوري حتى 2025 (1من2)

استراتيجية الإعمار والمدن الصناعية

ينبغي التخطيط في آن واحد لتوزع المدن الصناعية والمدن السكنية الجديدة وشبكة الخطوط الحديدية. لا بد من التخطيط لتوفير فرص العمل في القطاع الصناعي والمسكن في المدن السكنية الجديدة وشبكة الخطوط الحديدية معاً، ليكون المشروع قابلاً للحياة والاستمرار. بدأ العمران في القديم قريباً من مناهل المياه من أنهار وينابيع. تكرس ذلك مع الزراعة خاصة على الأراضي الزراعية الخصبة. توسعت القرى وأقيمت مدن وممالك مدن ودول، ولا يزال ذلك مستمراً على الأراضي الزراعية حتى الآن. بلغ عدد الضواحي قيد التنفيذ 34 ضاحية بمساحة 2873 هكتار وعدد المساكن 120 ألفاً و66ضاحية قيد الدراسة. (المصدر:بادية ونوس – عساف في اجتماعه مع إدارة مؤسسة الإسكان -جريدة تشرين، تاريخ 17تموز2012).

أنيطت مهمة تشييد المساكن للقطاع الخاص بالدرجة الأولى خلال الخطط الخمسية المتعاقبة. قدرت الخطة الخمسية الأولى احتياج القطر من الوحدات السكنية بـ60ألف وحدة سكنية، فقط وأنجزت 758 وحدة سكنية، أي ما يعادل نسبة 26.1% من احتياج القطر فقط. وأنجز القطاع الخاص والتعاوني نحو 77% من المخطط له. وقدرت الخطة الخمسية الثانية احتياج القطر من الوحدات السكنية بـ200 ألف، على أن يشيد القطاع العام نحو 8% منها والقطاع الخاص والتعاوني 88% منها. بيد أن ما أنجزه القطاع العام بلغ6.1% من المخطط، والقطاع الخاص4.47% من المخطط، فأصبحت الفجوة التضخمية أكثر من 50%. وتقدير الخطة للاحتياج كان أقل بكثير من الحاجة الفعلية، لأن الكثير من المساكن القديمة متهالكة وقد انتهى عمرها الفني. ثم قدرت الخطة الخمسية الثالثة الاحتياج بـ20 ألف وحدة سكنية، أي ما يعادل 60 % من تقديرات الخطة الثانية للاحتياج، عوضاً عن زيادته بسبب الزيادة السكانية. وخططت للقطاع العام أن يشيد 1826 وحدة سكنية، أي 1.5% من احتياج القطر، وللقطاع الخاص والتعاوني أن يشيد الباقي. التزمت الخطة بربع الاحتياج الفعلي، فحافظت على الفجوة التضخمية الهائلة بين العرض والطلب. تحدد السلطات المعنية حجم هذه الفجوة التضخمية إلى حد كبير بإعطاء رخص البناء، مما يضطر الكثيرين إلى تشييد المساكن دون رخص بناء. فقد بلغت المساحة الطابقية المسموح بها  204 ملايين م2 عام 1970 بينما المساحة الطابقية الفعلية  252 مليون م2 وقد نص قانون التطوير والاستثمار العقاري رقم 15 لعام 2008 التعليمات التنفيذية الصادرة بقرار رئيس مجلس الوزراء رقم 5410 لعام 2009 على تحديد مناطق التطوير العقاري ضمن أطر محددة، فمثلاً تشترط المادة 10 من قانون الاستثمار والتطوير العقاري عند تحديد مناطق التطوير العقاري والموافقة على إحداثها ما يلي:

1) أن تكون خارج مناطق المنع والمحرمات (مناطق عسكرية، مطارات، مجاري سيل، ينابيع، غابات، أراض مشجرة، آثار، طرقات، المناجم، المقالع، آبار النفط، خطوط التوتر العالي).

2) أن تكون خارج المناطق ذات الصفة السياحية المعتمدة من قبل المجلس الأعلى للسياحة.

3) ألا تقل مساحتها عن المساحة المحددة بالتعليمات التنفيذية لهذا القانون. كما تنص الفقرة ج من هذه المادة أنه يجوز، بقرار من رئيس مجلس الوزراء بناء على اقتراح الوزير وطلب تتقدم به الوزارة المختصة ويوافق عليه المجلس، اعتبار مناطق للنشاط الصناعي أو السياحي أو أي نشاط تنموي آخر داخل أو خارج مناطق التنظيم مناطق تطوير عقارية، بما في ذلك تحديد تصنيفها وتخضع لأحكام هذا القانون وتستفيد من ميزاته.

 يعطي هذا القانون الغطاء القانوني للتعدي على الأراضي الزراعية،عندما لا ينص صراحة على منع التطوير العقاري على الأراضي الزراعية. يتم الاكتفاء بذكر أراض مشجرة! والفقرة ج ترفع الغطاء القانوني عن حماية الأراضي المشجرة. بالتالي تصبح جميع الأراضي الزراعية التي تبلغ مساحتها 6 ملايين هكتار مستباحة للتطوير العقاري، هي وشتى مناطق المنع والمحرمات الأخرى! هكذا سيتراجع الأمن الغذائي عاماً بعد عام، وبذلك يتراجع الأمن الوطني،فمصلحة من تخدم هذه القوانين؟! مع العلم أن مساحة المراعي والمروج تبلغ 8. 2 ملايين هكتار، ومساحة الأراضي غير الصالحة للزراعة تصل إلى 3. 69 ملايين هكتار،أي خمس مساحة القطر. لقد جرى حتى الآن تدمير أجزاء كبيرة من غوطة دمشق الشهيرة تاريخياً، ومنها كفر سوسة التي شيدت فيها مجمعات حكومية كبيرة، ومنطقة يعفور والصبورة ذات الأراضي الخصبة حيث تقام المصانع والمشاريع العقارية مثل (حدائق يعفور المعلقة) وهو مشروع بكلفة مليار دولار على مساحة أكثر من مليون م2 ويضم مجمعاً سياحياً من 7 فنادق وشققاً سياحية ووحدات للاصطياف وصالات عرض وعدداً من المطاعم المتنوعة ومنشآت الترفيه والتسلية، إضافة إلى مجمع سينمائي يضم 16 صالة سينما إلخ. (جريدة الوطن، تاريخ 20 تشرين الأول 2010 صفحة 9) والشريط الساحلي الضيق بطول 183 كم، وسهل الغاب ومساحات شاسعة على ضفاف نهر الفرات والعاصي الخ.

 تتركز الأرباح الكبيرة للقطاع الخاص في قطاعي التجارة خاصة الاستيراد، وفي قطاع البناء وهي أكثر من مثيلتها في القطاعات الأخرى مثل الصناعة، ومخاطرها أقل ومردودها سريع. مما يجعل استثمارات القطاع الخاص تتوجه بكثرة إليها وتبتعد عن المشاريع الصناعية البعيدة المدى التي تتطلب تشغيل يد عاملة متخصصة من مهندسين وفنيين واقتصاديين وعمال مهرة ودراسات علمية للاستثمار والإنتاج والتسويق إلخ..

1) شروط ينبغي تحقيقها لضمان الرشاد الاقتصادي في الإعمار: التوقف نهائياً عن التوسع العمراني في المدن القائمة وتشييد مدن جديدة كل عام.

2) أن يكون خارج الأراضي الصالحة للزراعة.

3) أن يكون خارج الغابات.

4) أن يكون خارج المواقع الأثرية التي تعد بعشرات الآلاف ولا تزال أكثر من 450 مدينة أثرية مدفونة تحت الأرض، لم يكتشف منها حتى الآن سوى 6% كما ذكر د. نائل حنون.

5) أن يكون بعيداً عن المناطق الزلزالية.

6) التوقف عن بناء المحاضر السكنية وتشييد مدن مع جميع مرافقها.

7) حصراً على أراضي أملاك الدولة،لتخفيض كلفة التشييد.

8) حصراً على أراضٍ صخرية أو رملية.

9) أن تشاد قريباً من المناطق الحدودية مع الأقطار العربية الأخرى مثل العراق والأردن ولبنان والجزيرة العربية نجد والحجاز، بقصد تسهيل التواصل الاجتماعي والاقتصادي وتفعيل التشابك الاقتصادي مثل موقع (التنف) وغيرها.

10) بعيداً عن أسرّة الأنهار مسافة 50 كم مثل الفرات ودجلة والعاصي تفادياً لأخطار الفيضانات على السكان وحفاظاً على الأنهار من التلوث، لأن كلفتها البشرية والاقتصادية باهظة. وحفاظاً على الأراضي الزراعية القريبة وتلك التي يمكن استصلاحها بكلف اقتصادية معتدلة والتي تصل حول نهر الفرات إلى ملايين الهكتارات.

11) بعيداً عن شواطئ البحر، حفاظاً على الأراضي الزراعية القريبة الصالحة للزراعة، وتلك التي يمكن استصلاحها بكلفة مقبولة، وتفادياً لتلويث البحار وتفادياً للأضرار الممكنة الحدوث مستقبلاً مع ارتفاع منسوب البحار، وحفاظاً على المواقع الأثرية الكثيرة جداً والتي لا يزال الكثير منها في باطن الأرض، وهي ثروة معرفية واقتصادية تفوق قيمة الثروات الباطنية الأخرى، إذا أحسنت الاستفادة منها.

العدد 1194 - 15/04/2026