يا سليل الطيور المهاجرة!

وجعي بك لا ينتهي، وحزني عليك.. حزن النخيل الذي هجرته الطيور، وخلّفت له صدى صوتها الشجي، كلما عاوده الحنين إليها، حملته آه الذكريات إلى صدى غنائها.. فبكى وأبكاها..، واسترجع صداها في مواويل المساءات الموجعة! يا موجعي بك قتلتني بذلك السفر المباغت، وقلبي المعلق بك أصبح معلقاً بالغياب، والغائبين، وها أنت ذا عبق الملايين التي غادرت، هجرت أرضها، وترابها، ووطنها، وراحت تبحث عن ركن دافئ في ضلوع مدن الثلج البعيدة! إن كانت فلسطين خسرتنا مرة على أمل العودة إليها ذات فجر يجيء.. وذات حلم ظل يراود الروح حتى هناك على آخر بوابات الحياة باتجاه المغادرة الأخيرة، فإن التراب الذي يحتضن المغادرين واحد، والأرض التي تحتضن الراحلين واحدة، والوطن الذي يحتضن التحية الأخيرة للأيدي الملوحة بمناديل الوداع واحد، ولكنكم ها أنتم تهاجرون إلى ربوع لم تحلم خطاك بأن تطأها، ولا في الأحلام التي يمكن أن تغادر وسائدها.. إلى الشمال البعيد.. البعيد.. إنه نفي جديد أيها الأحبة، وشتات جديد يا رفاق الروح، وغربة مباغتة موجعة، ما خطر ببالنا أن تكون ذات يوم، وذات جرح لم تستوعبه الذاكرة على فداحة خطبه، ولا استوعبه الوجدان على ضراوته، ولكنه كان، وكان، ولا ندري إلى متى يكون بضراوته الموحشة؟!

أيها الغائبون.. الحاضرون أبداً، في نكهة أنفاسكم التي خلفتموها لنا.. في وميض عيونكم الذي يتوهج كضوء الفجر في طلته الأولى.. فيبعث فينا تلك الرعشة المحببة، في نداوة النسيم الذي يهب بين الحين والحين من شمالكم البعيد حد الخرافة والمستحيل؟! كان حضن الشام يضمكم تحت جناح كبّاده، وحوره، وياسمينه، كما كان حضن فلسطين يضمكم تحت جناح برتقاله، وليمونه، وزعتره، والآن حيث الشمال بعيد كالوهم، وأنتم بعيدون كالحلم الدافئ اللذيذ، كأننا.. أيها الأحبة في هجرة غيبوبةٍ بعدكم: لا النوم نوم، ولا الصحو صحو، ولا العيش عيش، ولا نداوة أنفاسكم بيننا، ولا طراوة ضحكاتكم تنعش قلوبنا، ها نحن أولاء بين صمت الليل، ووجع البكاء، وضراوة غيابكم عنا.. كأننا في آخر أيام الحياة التي يعتريها ذهول مباغت، ووجوم قاتل.. ودمعة جمدت في بريق حدقها، الذي تجمد كالزمهرير، زمهرير الشمال البعيد، هناك المنفى الثاني، والأخير، هناك، حيث لا هناك بعده؟! يا سليل الطيور المهاجرة، ربيناك (كل شبر بندر)، وكبرناك (كل شبر بندر)، ورعيناك (يا بوي) كل شبر بندر..، وغادرتنا كل شبر بمليون ميل يا ريحانة الروح، ويعلم الله هل نراك وترانا يا نسيم الروح، وهل نلتقي بعد على تراب الشام وفلسطين؟! وهوى الشام وفلسطين، وألفة المصير بينهما، أم بعدت الشقة يا حبيبي، واستمرأت المسافة السفر البعيد؟!

هنا، ودمشق تحتضن، على جراحها، دوي نشيد (عائدون)، فما أحسسنا لحظة بوحشة المنفى، وألم الكارثة كما نحسها الآن، فلا الخيام هنا منفى، ولا ضراوة المأساة منفى، ولا اشتعال حرائق البعد منفى! كنا.. هذا كله نطفئه برفّة شال على السياجات الممتدة بين نبض القلب هنا، ونبض القلب هناك، والآن.. يا ريحانة الروح، لا رفة شال، ولا أيدٍ تلوح للغائبين، ولا خطوة للإياب! أصبحتم كثراً يا حبيبي في عواصم الشتات البعيدة، كأن الوطن فرغ من ناسه، والأرض فرغت من أهلها، والديار فرغت من أحبابها، كأن هذا آخر عهد بالأرض والوطن والأحبة! ولعله آخر عهد بالحياة؟! البيوت بعدكم حزينة، والوجوه حزينة، والشوارع حزينة، والأنهار لم تعد تصخب، وتغني، والأشجار تميل لتحتضن آخر الظلال التي توشك على الغياب؟!

 كنتم الجيل الأقوى باتجاه فلسطين، وأصبحتم الجيل الأبعد عنها، كنتم أمل الراحلين باتجاه القدس والجليل وصفد ويافا وعكا وحيفا، والجليل وبيسان، وأصبحتم الآن ضراوة الرهان على ما تبقى من حلم العودة، الحلم الذي انكسر عند أول هبة ريح عصفت بما تبقى من نداوة الأحلام العابرة الغابرة!

من لفلسطين بعدكم؟! ومن للأرض بعدكم؟! ومن لنا بعدكم؟! أيها الأمل الذي انتزعه الغياب منا، وانتزعه الشمال الضاري البعيد، وانتزعه المنفى الذي ظل يقترب، ويقترب حتى افترس آخر الحالمين فينا بالعودة؟! رعاكم الله أيها الغائبون الحاضرون بضراوة ذكرياتكم، وولهنا لنسمة منكم، تعيد لنا تدفق جنون العشق في جذورنا من جديد!

العدد 1195 - 23/04/2026