ظواهر مدهشة..!

صدقوني.. (وأنتم أحرار إن لم تفعلوا.. ولن تفعلوا) بأن ما سأسرده على مسامعكم  دامت طلّتكم – قد حدث بالفعل، ولستُ ممّن يروّجون الأحاديث ويلفّقون القصص ويبهّرون الروايات. نعم.. ما سأحدثكم عنه قد وقع، ولم أصدّق خيالي عندما هجمت تلك الصور عليّ ذات يومٍ أعرج.

أنا لم أكن بوارد التفكير فيما يحدث وبالطريقة التي تحدث بها الأشياء، وكنت أخال الدنيا تمشي الهوينى دون أيّ منّة من أحد.. تشرق الشمس من مخدعها، وتسير متجاوزة كل القبّة السماوية، والناس في هرج ومرج وحركة مستمرّة كلٌ إلى عمله ووظيفته. ولا أخفيكم أنني كنت أسمع من الشقق المجاورة بعض الأحاديث من أناس لهم مناصبهم وكراسيّهم بأنهم لن يذهبوا إلى أعمالهم، وبأنّ لا أحد يسألهم عن ذلك لأنهم محميّون من فلان أو ابن فلان (وأرجوكم لا تطالبوني بذكر الأسماء).

لاحظوا أنني حتى الآن لم آتِ بجديد فما ذكرته لا يعدو كلاماً عادياً يمكن لأي شخص أن يحكيه. وكي أعود إلى جادّة الحكاية والظواهر التي أدهشتني لمجرّد عبورها تضاريس خيالي، سأعدّل كأس الشاي الموضوعة أمامي بقليل من السكّر وأرشف منها ما يكفي لأعود إلى توازني.

لا أعلم لماذا خطرت لي بعض المشاهد والصور التي كانت تُعرض على الشاشة أيام كانت بيضاء وسوداء في منزلنا الطيني القديم ( ويا ليتها بقيت كذلك)! ولكن لن أذكرها الآن ما دام هناك ما يفوقها إدهاشاً.. أجل .. أجل ما سأرويه لكم يفوقها بكثير، فتعالوا إلى لعبة التخيلات في هذا الزمن الأبله:

– تاجر يفتح محلّه صباحاً وهو يبتهل إلى الله طالباً الرزق له ولجيرانه، ويتمنى أن يدخل إلى محل جاره من الزبائن عدداً يفوق من يدخل إلى محلّه ليشتري، ثم يقوم بتغيير لائحة الأسعار الموجودة على كل غرض وسلعة ويعدّلها كل يوم سواء أكان ذلك صعوداً أو هبوطاً وفق سعر السيد دولار.

– دوريات التموين وحماية المستهلك تقوم بجولاتها اليومية على الأفران والمحلات فتفاجأ بأنّ السلع والمواد كلّها تباع وفق التسعيرة النظامية، فيدخل العناصر إلى المحلات ويشترون حاجياتهم ثم يدفعون ثمنها كبقيّة المواطنين.

– عناصر البلديات يقومون بفتح البلاليع وفتحات تصريف المياه قبل هجوم الشتاء علينا وتحوّل الشوارع إلى بحار ومستنقعات وبحيرات تصلح لتربية الأسماك والحيتان والدلافين كما هو حال بلدية الدريكيش..!

أعرف أنكم تقولون في سرّكم: ( يعني هادا الكاتب مو شايف شو صاير بالبلد؟) وأنا أقول لكم بأنكم تملكون كامل الحق في ذلك، ولكن دعوني أسألكم عن الأسباب التي أوصلتنا إلى هنا (أعرف أن الإجابات ستتعدد بتعدد الولاءات والانتماءات). ولكن دعوني أعود إلى الظواهر المدهشة:

– معلمو الصفوف يرفضون رفضاً قاطعاً إعطاء أي حصّة خصوصية في بيوتهم أو في المعاهد التي تقام بالقرب من بيوتهم، وإذا كان المدرّس يعطي كل ما لديه من معلومات، فلماذا يدعو الطلاب للحصص الإضافية، بأسعار تكوي قلب رب الأسرة قبل جيبه؟!

– سرافيس تعمل على الخطوط الداخلية، تصل إلى نهاية الخط وتأخذ من الركاب التعرفة الموضوعة في أكثر من مكان، والتي يراها الجميع، وعلى وجوههم الابتسامة وكلماتهم يفوح منها رائحة العطر.

– سيارات (تكسي) تجوب الشوارع وتتوقف عند كل يد يمدها مواطن، فيرحب السائق بالزبون ويبدأ معه حديث مودة خالياً من النق والشتم والألفاظ النابية والبذيئة.

– مسؤول يفتح باب مكتبه منذ الصباح ويرفض أن يكون لديه مدير مكتب يتحكّم بالعباد كل صباح ومساء ويطلب من جميع الموظفين فتح أبواب مكاتبهم أمام المواطنين.

– دار نشر تعتذر عن نشر رواية أو مجموعة قصصية أو ديوان شعر لأن ما بداخل الكتاب لا يستحق ثمن الحبر الذي سيطبع به، ولأن المنشور الجديد سيكون عبئاً على الثقافة والمثقفين.

– ناقد يتحدث بكل صراحة ومهنية عن السلبيات والعيوب والنواقص في كتاب خرج حديثاً من دار النشر إلى شارع الثقافة.

– كاتب يحمل معه إنتاجه الأدبي الجديد ويدخل مديرية الثقافة في محافظة ما، فيرحب به السيد المدير ويوافق على شراء عدد من النسخ بعد حصول الكاتب على موافقة الوزارة التي تشترط توفر الاعتماد المالي والحاجة، وكأن الكاتب يأخذ ثمن نتاجه الأدبي بالدولار أو اليورو أو بالليرة الذهبية.

– أفران لا يقبل أصحابها بيع ربطة خبز واحدة قبل وضعها على الميزان ليس خوفاً من التموين أو من الشكاوي، بل خوفاً من الله سبحانه وتعالى.

– عنصر تموين أو سائق مسؤول ما يقف بالدور أمام الأفران والمؤسسات العامة كي يحصل على ربطة خبز أو على التموين العائلي.

– مسؤول تحرير في جريدة محلية خاصة أو رسمية لا يتوقف عند الكاتب وانتمائه وعلاقته الشخصية معه، بل يتوقف عند المادة وما تقدمه من فائدة معرفية أو ثقافية أو فكرية أو ترفيهية للقارئ.. وللحديث بقيّة!!

العدد 1195 - 23/04/2026