الاقتصاد والنهج الوطني
عندما تضيع المعايير أو تحرف بشكل مبرمج يسود ضلال وجهل وعدم معرفة لما يجري وللتوصيف الصحيح للأفعال وكذلك للنتائج الاستراتيجية للسلوك، لذلك يجب أن يكون هناك معايير واضحة ومحددة للحكم على الأفعال من أجل المثابرة على ما هو مفيد ونافع، مع محاولة تطويره وتصحيح الاختلالات والانحرافات والأخطاء والعيوب التي لا تناسب الهدف المرسوم، ومن هذه المعايير الوطنية التي أسوأ ما يكون أن تصبح وجهة نظر، كل يمنحها لمن يريد ويخون الآخر ولكن الذي يعري صحة او خطأ المقيم هي وجود المعايير الواضحة، مثل استقلالية القرار وعدم التبعية لأي مشروع ضد مشروع بناء الوطن والمواطن وعدم القبول بالتدخلات الخارجية أو الاستقواء بأي قوة خارجية، وعدم السير بمشاريع خاصة على حساب الوطن والمواطن إن كانت آنية أو تمهد لأمور استراتيجية لإرضاء أهواء شخصية أو للانتقام التاريخي، أو لتنفيذ رؤى واستراتيجيات لقرارات خارجية، وعدم العمل على أشياء تهشم البنى وتزعزع استقرار البلد، وعدم السكوت عن الأخطاء أو التستر عليها لفائدة أو لتعاطف طائفي أو مذهبي أو قومي أو أيديولوجي أو تشجيع التعصب وإلغاء الآخر، وأكثر الأمور تضليلاً وتجهيلاً واختباء لمشاريع بانت نتائجها لاحقاً كان النهج الاقتصادي والقرارات الاقتصادية والإظهار بوجهة التحديث والتفاعل مع العالم الخارجي، لتمرير قرارات تخدم مصالح آنية وشخصية وتدمر البنى والمستقبل والبلد، فقد كان هناك تضليل ذكي حيناً ومكشوف محمي حيناً آخر، وكان هناك بعد عن التقييم الوطني مقابل ما ذكرناه من مصالح وانتماءات لا وطنية، ولم تكن البوصلة الاستراتيجية الوطنية وكثيراً ما ذكرنا نحن وغيرنا أن سياسات كهذه ستوصل إلى الدمار، واتهم من ينقد من أعلى أشخاص السلطة التنفيذية بالخيانة والتبعية وغيرها، وحتى لا يتكلم أحد رددنا وقتذاك عليهم وهم بالسلطة، فالنهج الوطني هو النهج الذي يراعي استقلالية التنمية واستمرارها وتوازنها، فاستمرارية التنمية القائمة على النمو الحقيقي لا الفقاعي، وعلى الواقع لا على الأرقام المضللة، التي تشمل كل المجالات الاقتصادية والاجتماعية والثقافية والسياسية، والتي تنعكس قوة للوطن والمواطن وتعتمد على الاستفادة القصوى من الطاقات والإمكانات وتوازنها القطاعي والجغرافي بما يحافظ على الاستقرار وعدم الهجرة والتشتت، وبما يترك أملاً للمستقبل للأجيال القادمة.
أهم الأسس التي يجب أن يقوم عليها النهج الوطني، في ظل السيرورة التاريخية والتطور البنيوي كانت ومازالت قوة الدولة هي الأس الوحيد والأهم للتخطيط لهذا النهج، هذه القوة التي تستمد من مؤسسات فاعلة ذات استقلالية غير مسيطر عليها، مؤسسات تحصر الإمكانات وتضع البرامج بما يوصلها إلى الأهداف بالتكامل والتعاون بين كل قطاعات الدولة الخاص، العام، والتشاركي ولا تحابي الخاص على العام، فالأهداف العامة هي التي تقوي الجسد الوطني والمواطن وتمنحه إنسانيته ودوره الفاعل، وأساس العمل الوطني هو الذي يكون هدفه العدالة الاجتماعية والنمو المتوازن وحماية الأمن الوطني وصلابة الجسد بتقوية الطبقة الوسطى وتوسيعها، ولاحقاً الوصول إلى العدالة الاجتماعية التي تخفف وتجفف الأمراض الاجتماعية كالفقر والبطالة وما ينجم عنها من علاج أمراض أخرى. وللوصول إلى أهم الأهداف يجب أن تكون الخطط الآنية والمتوسطة والاستراتيجية متوافقة بما يعطي الحقوق للجميع ضمن القوانين الناظمة الضابطة، وهنا نقول إن الوصول إلى الأهداف الوطنية والسلوك الوطني يتناسب عكساً مع شدة الفساد وعمقه، وكلما غاص الشخص في الفساد قرب نحو حافة اللاوطني، مع التفريق في الوقت والظروف والحجم مابين حيتان قادة للفساد وأدوات مفروض عليها.
وكما ذكرنا ضمن سيرورة التطور تكون مؤسسات الدولة هي الأقدر على تنفيذ الخطط والأعدل للوصول إلى الأهداف العامة، والاستثمار الأمثل بما لا يقصي القطاع الخاص وإنما دوره مكمل. وهنا كانت نقطة اللعب الخارجي لتفتيت الدول وإضعافها بسحب قوة الدولة وتضليل الرؤى والبرامج للوصول إلى اقتصادات تابعة مهشمة وقوى مستفيدة تنفذ مطالبها، فالتستر بالليبرالية التي لم يطبق منها شيء للوصول إلى خلخلة قوة الدول بقتل القطاع العام ونحره بأي وسيلة، بالقرارات، بالعرقلة، بالإدارات، بفرض السم، بتدميره كما لاحظنا بفرض القطاع الخاص الاحتكاري وإعطائه الاحتكار أو اللعب على حبال الخصخصة. يملك العام كل أدوات النجاح وهو على حاله، وكذلك محاولة تثبيط القطاعات الإنتاجية وتحويلها إلى قطاعات فقاعية، وتغيير النفس الاستهلاكي ليصبح غرائزياً مدعوماً بأريحية إقراض، والتخفيف من الرسوم الجمركية ومنع الحمائية لتعويم البضائع الأجنبية وقتل الصناعة المحلية، ما يعني مئات الآلاف من العاطلين عن العمل والفقراء، وسحب تدخل الدولة عن طريق اختراع مصطلح العصر النووي (الدعم وضرره) والغاية هي قتل البلدان والشعوب لتحقيق استراتيجيات تابعة مكملة للدور التاريخي الذي تريده الدول الغربية: دول غير متطورة مستهلكة تابعة ومصدر للمواد الأولية لكي تحافظ على توازناتها الداخلية وعلى المعادلة القطبية بين المركز والأطراف.
إذاً، قتل القطاع العام تصرف غير وطني لا يدل على انتماء، وغير مبرر، وخاصة بعد الدماء التي فاضت والبنى التي تهشمت، وكذلك رفع سعر المحروقات التي هجرت وطفشت وفرغت وجهلت، واللعب على المصطلحات تشاركية بالظاهر ونهب مقونن بالباطن، تنافسية في ظل الاحتكار وقتل تدخل الدولة، احتكار قلة بما لا يخدم لا بالسعر ولا بالجودة، وحتى بالعلاقات الخارجية وبالاستثمارات الخارجية التي يجب أن يكون لها أهداف وشروط، منها عدم كفاية الأموال المحلية أو نقص الخبرات في مجالات ولكن بما لا يخل بالأمن ولا يرهن القرار ولا يؤثر على الوطن ببناه المختلفة والمواطن.. وهذا غيض من فيض، فأي خروج عن المنفعة الوطنية أو عن القوانين الناظمة أو فرض قوانين خاصة أو علاقات تابعة لا تخدم الوطن لا يمكن أن يوضع في سياق النهج الوطني، وأكيد الخروج عن النهج الوطني سيودي إلى كوارث عكسية تهشم البنى وتجعل المجتمع ضعيف المقاومة ومعرضاً للهزات والاهتزازات التي قد تؤدي إلى الدمار وفيضان الدماء إن اقترنت بأنياب خارجية متربصة تلعب على نقص المناعة الناجمة عن الجهل المرافق للفقر والحاجة وغسل الدماغ والتضليل الإعلامي المبرمج، وهذا ما حصل مع وطننا وما جعل منه مدخلاً لقتل البنى التي وصلت إلى مرحلة متطورة في سائر المجالات ما عدا الإنسان، فقد اهتممنا بالبنيان ونسينا الإنسان بعد أن وصل إلى مرحلة من البناء قوية نتيجة تزاوج إيديولوجيات وديانات وتعليم مجاني سابق لأغلب الدول وأسرة مرتاحة وإعلام محابٍ، تنشئة سليمة ما لبثت أن حرفت وفرغ المجتمع والإنسان، بنى متطورة أوصلتنا إلى الأمن الغذائي والدوائي وإلى صناعات تحويلية متقدمة ولخدمات منتشرة: طرق كهرباء صرف صحي نقل سدود إعلام مدن رياضية جامعات على مستوى المنطقة والعالم، طبقة وسطى صلبة مسيطرة، مؤشرات صحية وتعليمية متقدمة تضاهي أغلب الدول قبل أن يحصل الانحراف غير المبرر وغير المفهوم والأسود النتائج، والذي جعل الأرض متخمة بالدم الأحمر وبالأنقاض.
لا يمكن لعاقل أن يتجاهل ما ذكرناه وإن كان هناك اختلافات جزئية وتوضيحية، ولكن للأسف في ظل دوامة العنف والدمار لم يتغير أي سلوك أو سياسة أو نهج أو استثمار بشري، ولم يخجل الفاسدون مما اقترفت أيديهم، بل أصبحوا يرقصون على الدماء فرحاً بأرباح مضاعفة ولو على حساب الدماء ودمار البلد وهم يسنون الأسنان لإعادة الإعمار، وهنا أتذكر آخر ندوة ثلاثاء اقتصادي عندما سئلت عما حصل لمشروع متكامل كنت اقترحته للسكن العشوائي بما يحقق الفائدة للكل ويخفف من البؤر التي صنعتها ظروف هذا السكن من فقر وبطالة ودعارة ومخدرات وحالات نفسية وعمالة أطفال، ولكن القدر يجعل كل هذه المناطق أرضاً للمعركة وأصبحت ركاماً، المهم لا أحد ينقد للنقد وإنما للبناء وشبعنا دماء ودماراً ولكن لا يمكن أن نحترم هذه الدماء إلا بعلاج الأسباب ومحاسبة من أوصلنا إلى هنا، ولا يمكن أن يتم ذلك إلا باختيار النهج الوطني الصحيح السوري الذي يقرأ الواقع ويضع العلاج ويأخذ النقاط التالية:
_ الإحاطة بالفساد وضبطه بقوانين صارمة ومحاسبة قوية لكل من تاجر بالأزمة وبالدماء.
– إعادة النظر بكل القوانين والقرارات التي اتخذت خلال الأزمة وسابقاً بما يتماشى مع متطلبات البلد ومواطنيه، ومن ضمنها أسعار المحروقات التي ارتفعت بشكل جنوني لا يتماشى مع سعر الدولار وبتوقيت يحابي بعض المستوردين الحصريين الجدد.
– لا بد من أن تكون الأموال المحلية والمغتربين هي أس إعادة الأعمار مع محاسبة ومحاربة تجار الأزمة وما قبلها ومنعهم من تحقيق أحلامهم بإعادة البناء بدلاً من محاسبتهم.
– الاستثمارات الخارجية قد تكون ضرورية ولكن بما يحقق الأمن الوطني وبما يخدم التنمية الوطنية في قطاعات عجزت المؤسسات الوطنية عن سدها وعجزت الأموال السورية.
– التشاركية جميلة ولكنها لا تعني حجب المزايا عن القطاع العام ومنحها لبعض الأشخاص تحت هذه الحجة.
– التنافسية ضرورية والدولة أقدر على تحديد قطاعاتها والاحتكار يقوض التنافسية، لمؤسسات القطاع العام الدور الأهم وخاصة الإنشائية التي أصبح مجالها التنفيذي كبيراً وغير محدود ـ العلاقات الخارجية تحددها مصلحة الوطن والفائدة الجمعية ولا يمكن أن تكون لخدمة البعض أو إرضاء للبعض.
– المحاسبة والمتابعة والمراقبة أهم المبادئ لأخذ القطاع العام الصناعي والخدمي دوره المسلوب من بعض الانتهازيين اللا إنسانيين، وخاصة في مجالي الصحة والتعليم ذوي البنى التحتية الرائعة والأداء الوظيفي المهترئ إعادة الدور التكاملي للاقتصاد السوري القائم على كل القطاعات الزراعة الصناعة الخدمات السياحة وعدم اللجوء إلى النمو الفقاعي المحابي لبعض الأشخاص
– الإصلاح الإداري المخفف من الروتين الذي جعله البعض أداة لعرقلة دور الآخرين لخدمة الوطن ومصالحهم ومن أجل تكريس احتكارهم.
– إعادة الاعتبار لليرة السورية التي جرى اللعب بها بطريقة تدعو للعجب من خلال سياسات وأدوات لا تخدم قوتها.
– الدعم الحكومي التدريجي ضرورة وخاصة في الفترات القادمة ونتائجه الإيجابية أكبر من حجمه ولا يستطيع أحد أن يتذرع بإرضاء الخارج، لأن ما دفعناه من دماء ودمار أكسبنا مناعة تمنع أياً كان أن يفرض رؤاه، إن وجدت النية والإرادة.