سؤال معلَّق

يذكر جواد، ذاك (الحديث) الذي نُقش في طَريّ حافظته، أيام (الابتدائي) وما جاء فيه عن مُتمم الأخلاق، أن: دخلت امرأة النار، في هرة حبستها، فلا هي أطعمتها ولا تركتها تأكل من خشاش الأرض!

كما وتذكر طفولته، وقت كان الريف عندنا ما يزال ريفاً، (النمليّة) والصندوق، اللذين كان يُحفظ فيهما الطعام، فيما تُرفع (القاورما) واللحوم والدسوم كافة، في مُعلَّقات محبولة إلى السقوف.

وممّا لا ينساه جواد، ما تفتق عنه فكر أخيه الأكبر، (الدركي فيما بعد) من فنون التعذيب، عقوبة لقطِّ اهتدى بالغريزة، إلى طريقة خاصة، في القفز التدريجي، وصولاً إلى المُعلَّقة، التي لا يداني فعلَ رائحتها بخواص معدته، سوى فعلِ نعومة المرأة برموش مشاعر جواد!

آنئذٍ كَمن (الأخ) للقطّ، حتى إذا ما رآه يُعتِّب البيت داخلاً، انتظره خلف الباب، إلى أن خرج، فحشره بين الدرفتين، حاكماً عليه بالإعدام خنقاً، حتى الموت، رأسه في الخارج وجسده في الداخل!

**

الصور السابقة للقطط، إلى صور أُخرى ل قطط (شارع اليرموك) و(شارع..) التي حلل (المفتون) فيما حللوا قتلها وأكلها، إلى (قطط شارع الحمرا) البشرية (الفيلم اللبناني الأشهر) إنما على غير مقلبٍ وصعيد، تداعت كلها إلى مُخيلة جواد، وهو يشهد – متشاهداً – صراخ النساء والأطفال في إحدى المذابح التي نفذها (جنود الله) بعباده (الكفرة)، تعرضها فضائية (مؤمنة)!

أشياء وأشياء، بعضها مفهوم لدى جواد، وبعضها مُلتَبَس.. تربط ما بين أصوات القطط والأطفال والنساء. منها صراخ ذلك القط ، الصراخ الذي فتح جرحاً في طفولة جواد، ما زال ينزف في ذاكرته حتى اللحظة.

**

عندما أخرس جواد التلفزيون، وأطبقت شاشته على ما فيه من ظلم وظلامة، وغلٍّ وتغوّل، لم يكن ليشغله سؤال:

إذا كان حبس القطة فحسب، يُدخل فَاعِلَه النار، وهدم الكعبة حجراً حجراً أهون على الله من سفك دم امرئ مسلم. فما بالك بِقَتَلَةِ البشر، ترويعاً وتمثيلاً وذبحاً؟ فجواب هذا السؤال واضحٌ، للصغير والكبير وللغبي والذكي.

سؤال: ما هي هوية هذه الحرب المستشرسة المسعورة غير المسبوقة على بلادنا: سياسية.. دينية.. طائفية أو اقتصادية.. إلخ؟ الإجابة هنا، مع قليل من إعمال الفكر والعقل والذاكرة، تصير واضحة أيضاً.

ولا سؤال ماذا وراء ذلك الصمت المُخزي، والسكوت المهين، وفي أحسن الأحوال الظهور الخجول، الذي يُغلّف معظم دول العالم، على تنوع أنظمتها وتلوّن سياساتها، ويلجمها حتى عن قول كلمة حق على الأقل، في المهزلة الدمويّة، التي تقتطع  أوصالنا شعباً ودولة وأرضاً؟

فبجردة سريعة وانتقاء عشوائي ونظرة متأنية ، لمواقف أربع دول من أربع جهات الأرض، مواقفها تجاه المسألة السورية، نستنتج بغير كثير عناء، أن المصالح والمصالح فقط هي التي تحكم مواقف الدول.

لكن ما بقي لدى جواد (وأجواد كثر من شرفاء الوطن) معلَّقاً بحبال الاهتمام والانهمام، المشدودة حدَّ التمزق، ومحتلاً شاشة الأسئلة المأزومة والمحمومة، حدَّ الانفجار، ولا من إجابة شافية له حتى الآن، هو:

إلى أي مدى، ساهمنا نحن السوريين، أفراداً ومؤسسات ومسؤولين، في أسباب ذبحنا، رجالاً ونساءً وأطفالاً وقططاً؟.. إلى أي مدى أفدنا من دروس الفاجعة؟.. وإلى أي مدى نفكر ونعمل جادّين ومجدّين ومخلصين من أجل خروجنا منها؟!

العدد 1190 - 11/03/2026