شجرة السنة بين بوتقة الفساد والحرب
تحترق الورقة الأخيرة التي لم يبق منها سوى ساعات وأجزاء من ثواني الدقائق، لتقرع أجراس الكنائس معانقة تهاليل المساجد، لترتل الشام هوى بلحن غزلي يبوح بعشق الروح للوطن سورية.. عام يمضي بلياليه الطويلة المغزولة بهموم الناس ووجع السوريين ودمعات الطفولة البريئة ولوعات الأمهات ونشيد الكادحين الذي كتب الوطن في لوحة المحبة والتضحية والكرامة بكلمات رصعتها رسالة الجندي السوري بالشهادة، وبخّرتها أيدي الفلاحين والعمال لتباركها آهات وزغاريد النسوة السوريات، ولتكتبها ريشة المفكرين بإبداع سوري يلخص يوميات الحرب والنصر ومحاربة المتاجرين بالوطن والفاسدين.
رأس السنة الرابع للحرب، والسوريون مازالوا على عهدهم وعشقهم لوطنهم باقين بكل صمود وكبرياء يرفعون رأسهم للعالي كشموخ قاسيون وجبل الشيخ، وإيمانهم بالنصر لم تهزه عاصفة الحرب الكونية التي يعيشونها منذ أربع سنوات، ولم تتأثر نفوسهم بذل لعبة القرارات القاتلة التي تصدر بين ليلة وضحاها، ولم تنكسر عزة نفوسهم بالفساد والاستغلال الذي طوق أعناقهم ولم يستطع القانون حمايتهم منه وتنفيذ العقوبات بحق المخالفين والمستغلين من تجار الوطن، وشعارات الحكومة الرنانة على وسائل الإعلام بمحاربة الفاسدين، لم ينفذ حرف واحد منها، بل زاد الوضع المجتمعي والمعيشي سوءاً أكثر، فتلاقت قرارات حكومة الأزمة مع تلك الشعارات وتخطت الخطوط الحمر، واشتعل الجمر ليحول الواقع الاجتماعي والاقتصادي إلى رماد يتناثر فوق جروح المواطن ليزيدها قيحاً وألماً.
قرار يتلوه قرار آخر.. يرتفع سعر المازوت والبنزين متجاوزين كل الحدود، بقرار أول في شهر نيسان الماضي، أصبح بعد ذلك مادة للتلاعب والتجارة الأولى بالسوق السوداء، منافساً الورقة الخضراء على اللقب والسعر، وأصبح أصحاب الكازيات زعماء جدداً في صفحات الحرب وحجر النرد يتلاطم بين دفتي أصحاب المصالح والحكومة، والمواطن السوري يتحمل اللطم ويعيش الضياع والتشتت، وخرجت أغلب القطاعات عن الدعم بالفعل مع بقاء قرار الدعم، والحكومة تتوعد بالمحاسبة، يعلن العيد أيامه بقرار قياسي آخر في رفع المازوت إلى سعر حكومي جديد، ولكن هل التنفيذ جاهز وهل ستطبق الحكومة القانون العادل؟ بالطبع كان مجرد قرار فقط، فالمازوت غير متوفر بهذا السعر، فهو اخترق أبواب 200 ليرة سورية، فكيف سيعود إلى عتبة 80 ليرة؟
مسلسل اللعب والتخبط القاتل لم يقف هنا، فقد استقبل كانون الأول قرار رفع سعر المازوت إلى 140 ليرة سورية، ليقضي على ما تبقى من أحلام المواطن بيوم آخر أفضل، ولكن الحكومة مستمرة بـ(عطاياها) و(هداياها) الجميلة للمواطن الكادح في سورية الحبيبة، وأنها لن تنساه أبداً، فهل تريد له الخير والنعيم والراحة؟ ولم يقف الأمر عند المازوت.. فقد فوجئ الناس أيضاً برفع سعر الخبز هذا العام ولأول مرة يتخطى الخط الأحمر المدعوم، وكما يشاع حسب الدراسات الأخيرة التي تجرى على رغيف الخبز أنه بعد أيام معدودات سيكون هناك خبر سار جداً للمواطن برفع سعر الرغيف أيضاً… وليس الوضع أفضل بالنسبة لجرة الغاز التي أصبحت حلماً للمواطن السوري يراها في أحلامه، فقد أصبحت من النوادر الأثرية. ولم يقف الحال عند جرة الغاز ولعبة المحروقات الحكومية، بل تعدت ذلك بكثير، فقد فاجأتنا وزارتا التربية والتعليم بقرارات موحلة حتى القاع، منها اختبار الطالب الحر، وكأنها تلعب لعبتها نحو إعادة الأمية والجهل، لتعود الثانوية حلماً جديداً يفرض نفسه واقعاً على السوريين، والكهرباء تعلن الرحيل من الخميس إلى الخميس، لتتحول البيوت والشوارع إلى أماكن مهجورة باردة تغيب عنها الحياة الجميلة بغياب الكهرباء والمازوت والغاز وأبسط أمور الحياة.
يعلن العام رحيله بوجع كبير وحزن وأسى في نفوس المواطنين السوريين الكادحين الذين أهلكتهم حرب القرارات الحكومية، وأنهكهم غياب القانون وأصبحوا سلعاً بيد المستغلين والمتاجرين بالوطن ولا أحد يحميهم من براثن السوق السوداء، ولكنهم لم ينسوا أن هناك ميلاداً جديداً بثقافتهم الأصيلة، ولم يقطعوا خيط الأمل الذي يربطهم بالغد، بل هم أكثر تصميماً على مجابهة الواقع وسيردعون الحرب ويدافعون عن الوطن الذي هو هويتهم وعزتهم وكبرياؤهم… السوريون الذين بنوا حضارة علمت العالم معنى الأبجدية والعلم باقون رغم سموم الحرب التي تشنّ عليهم وعلى أرضهم… اليوم ينصبون شجرة العام الجديد وقد زينوها بأحلامهم وأملهم بأن يكون ميلاد 2015 حاملاً معه الأمان والسلام.. حاملاً معه رسالة الكادحين وإيمانهم بالوطن سورية.. وشجرة رأس السنة تتخطى عاماً أحرق ببوتقة الفساد والحرب المواطن وأحلامه.. لعل الشجرة الجديدة تكون سفيرة للخير والأمان والمحبة.