عيد الميلاد 1914 الجنود العاديون يفرضون هدنة في حرب إمبريالية
كانت (هدنة عيد الميلاد عام 1914) هدوءاً غير رسمي قصير الأمد في القتال بين قوتين متنافستين متناحرتين مصممتين على ممارسة السيطرة العسكرية والسياسية والاقتصادية كل على الأخرى في أوربا والعالم المستعمر الذي تدعي هذه القوى الإمبريالية حق المطالبة به. دارت الحرب العالمية الأولى، أحد أكثر الأحداث دموية في التاريخ الإنساني إلى حد كبير على أرض ندبتها المعارك في فرنسا وبلجيكا ابتداءً من آب 1914.
كانت هدنة غير معلنة بدأها جنود عاديون على أرض منحوتة بالخنادق، وشوهدت الهدنة في مواقع متفرقة على طول الجبهة الغربية، على الجانبين. يقال إن الهدنة بدأها أولاً جنود ألمان ينشدون ترانيم عيد الميلاد، أعقبتها ردود فعل مماثلة من الجانب الآخر.
ولكن في يوم رأس السنة في كانون الثاني 1915 أُجبر جنود هذه الجيوش الإمبريالية على العودة إلى القتل الذي لا معنى له والذي خلّف ملايين القتلى والجرحى المفقودين.
وفي الذكرى المئوية لهذه الحرب ينبغي تذكر الجهود الجبارة التي بذلت في روسيا القيصرية لمعارضتها بقيادة فلاديمير لينين والبلاشفة.
وينبغي إدراك أن الحروب تولدها الرأسمالية والإمبريالية وتخدم المصالح الطبقية لمن هم في السلطة، على حساب الطبقة العاملة التي تستخدم وقوداً للقتال فيها. ويختلف الأمر جذرياً في حروب التحرر الوطني التي تصبح إلزامية من أجل تحرير شعب أو أرض من حكم الاستعمار أو الاستعمار الجديد، بعد إخفاق كل الجهود السياسية أو استنفادها، وكان هذا صحيحاً بشكل خاص في القرن العشرين. فالشعوب المستهدفة بالهجوم الإمبريالي اليوم لديها الحق في استخدام هذا الخيار عندما تكون سيادتها مهددة على نحو خطير أو منتهكة. ويعرف هذا بالدفاع عن النفس.
المعسكران المسلحان في أوربا
قبل اندلاع الحرب نفسها كان جزء كبير من أوربا قد انقسم إلى معسكرين مسلحين، وفق نظام تحالف يتطلب (المؤازرة) إذا هوجم أي بلد عضو من قبل قوى معادية. (هجوم ضد واحد يعني هجوماً ضد الجميع). ضم المعسكران المسلحان من جهة ألمانيا والنمسا ـ المجر وتركيا، ومن الجانب الآخر إنكلترا وفرنسا وروسيا وصربيا حليفاً لروسيا.
تعزو بعض الدوائر، وليس كلها، السبب المباشر للحرب إلى اغتيال الأرشيدوق النمساوي فرانز فرديناند وزوجته صوفي على يد القومي الصربي غافريلو برينسيب في حزيران 1914. أراد برينسيب، مع قوميين صربيين آخرين، الاستقلال عن النمسا. اشتعل (فتيل) الحرب. وفي آب 1914 انفجر (برميل بارود أوربا). واستمرت المجزرة أربعة أعوام، بكلفة عشرين مليون إنسان، وانتهت في 11 تشرين الثاني 1918.
أهوال حرب الخنادق
غذت الصعوبات الكثيرة والأحوال الغريبة لحرب الخنادق الرغبة في السلم لدى الجنود العاديين في جانبي الجبهة الغربية في أوربا، عشية عيد الميلاد 1914. بدأ أولاً الجنود الألمان الذين أنشدوا ترانيم عيد الميلاد، وانضم إليهم بعد ذلك الجنود الإنكليز والفرنسيون والبلجيكيون بردود فعل مماثلة.
وقام هؤلاء المقاتلون الذين أرهقتهم الحرب، بشكل إفرادي وجماعي، بإيماءات سلمية كل تجاه الآخر عبر أرض مدمرة سميت (أرض لا أحد).
جربت الهدنة غير الرسمية والقصيرة الأمد على طول معظم الجبهة الغربية من عشية عيد الميلاد إلى عشية رأس السنة. أيد بعض الضباط الهدنة أو تغاضوا عنها في حين وصف آخرون جنودهم بـ (المتمردين) وهددوهم بالإعدام الميداني إذا لم يوقفوا التآخي مع العدو وعلى الفور. تبادل الجنود من الطرفين المتقاتلين علناً السكائر والكعك والبيرة والطعام والهدايا والصور ولعبوا كرة القدم، ضمن إيماءات أخرى لا تحصى لحسن النية والرفاقية. يعد فعل التآخي هذا فصلاً بطولياً في تاريخ الطبقة العاملة، لأنه يكشف إفلاس الحروب الإمبريالية التي لا يستفيد العمال منها. وينظر إليه، من ناحية أخرى كرد فعل متأخر على ما حاول لينين والبلاشفة تفاديه في مؤتمري شتوتغارت وبازل في عامي 1907 و1912 على التوالي، قبل اندلاع الحرب نفسها، عندما ناضل الجناح الثوري في الحركة العمالية العالمية لدرئها.