لماذا كان ماركس محقاً؟! (18)
لا يواجه الماركسيون الآن، أبناءُ عصرهم الحصفاء، الأخلاق العالية بالشك، ولا المثاليّة الرخيصة بالحذر.
فبالريبة التي أصبحت طبيعتهم الثانية يبحثون عن المصالح المادية التي تختبئ وراء الخطابات السياسية الطنّانة، ويفضحون بعيون يقظة القوى الخبيثة التي تكمن في المواعظ الورعة والرؤى العاطفية. ويفعلون ذلك فقط من أجل تحرير الناس من هذه القوى لأنهم يعتقدون أن الظروف ستتحسّن بعد ذلك. وهكذا تتلاقى حصافتهم وإيمانهم بالإنسان. فالمادّي واقعي بحيث لا تستطيع الخطابات الطنّانة أن تغشّه، من ناحية، وهو يؤمن بشدة بأنه يمكن تغيير الظروف من دون تهكّم، من ناحية ثانية. وفي تاريخ الإنسانية، هناك توافقات أسوأ.
لنتذكّر شعار الطلاب اللاهب في شهر أيار (مايو) من عام 1968في باريس: (كن واقعياً واطلب المستحيل). على الرغم من المبالغة الهائلة، إلا أن هذا الشعار مصيب في الصميم. فما هو ضروري واقعياً لشفاء المجتمع من أمراضه يتخطّى قوّة النظام القائم الحاكم، وهو بهذا المعنى مستحيل. إلا أنه أمر واقعيّ تماماً أن يتغيّر العالم بشدّة من حيث المبدأ. ومن يتهكّم على إمكانية تغيير الظروف بشدّة إنما هو صاحب خيال بحت. والحالمون الحقيقيّون هم البشر الذين ينكرون إمكانية إحداث تغييرات بخطوات صغيرة فقط. وهذه البراغماتية الواقعية غير معقولة، كأن تقتنع إحداهنّ بأنها ماري أنطوانيت. هؤلاء البشر معرّضون لخطر أن يتجاوزهم التاريخ. وقد ادّعى بعض منظِّري الإقطاع على سبيل المثال أن نظاماً اقتصادياً (غير طبيعي) لا يمكنه أن ينجح أبداً. وهناك أيضاً البشر المغمومون الذين يكذبون على أنفسهم ويعيشون في توهّم أن الرأسمالية ستجلب، فقط بعد قليل من الوقت والمزيد من الجهد، الرخاء للجميع. والأمر لا يزيد بالنسبة لهم عن كونه مصادفة، أنَّ ذلك لم يحصل حتى الآن. فهم لا يدركون أن الظلم لا تنفصم عُراه عن الرأسمالية كالنرجسيّة وجنون العظمة عن هوليود.
يكتشف ماركس في الحاضر صراع مصالح مميتاً. لكن بينما ينصحنا مفكّر طوباوي ما بتجاوز هذا الصراع باسم المحبّة والإنسانية المشتركة، يختار ماركس طريقاً آخر تماماً. هو يؤمن أيضاً بالمحبة والإنسانية المشتركة ولكنه لا يرى تحقيقهما عن طريق تهيّؤات انسجامٍ كاذبة. لا يجوز أن يتنازل المستغَلّون والمسحوقون عن مصالحهم، وهذا ما يريده حكّامُهم، بل عليهم أن يدافعوا عنها بحزم. عندئذ يمكن أن يتشكّل مجتمع بعيداً عن المنفعة الذاتية، علماً أنه لا يوجد أدنى اعتراض على المنفعة الذاتية إذا كان البديل هو مدح القيود بعقليّة التضحية الذاتية الخاطئة.
يجد منتقدو ماركس أن التركيز على مصالح الطبقات أمر مستنكر. عندئذ لا يجوز لهم الادّعاء في الوقت ذاته بأنه يرى طبيعة الإنسان عبر نظّارة وردية، أي بشكلٍ مفرطٍ في التفاؤل. فقط عندما ننطلق من الحاضر غير المُجمَّل ونتعرّف على منطقه الدنيء، يمكننا أن نأمل في اختراقه والخروج منه. وهذا هو شأن المأساة التقليدية. يجب أن نقبل أن التناقضات هي جزء لا يتجزأ من طبيعة الرأسمالية ولا يجوز أن نستنكف، في موقفٍ من اللامبالاة، إذا ما أردنا استخدام جزء من الموارد، التي كدّسها النظام، لصالح الجميع. في هذه النقطة التي يتعطّل فيها منطق الحاضر ويدخل في طريق مسدود وتنفصم عراه، يكتشف ماركس بشكل مفاجئ تصميم مستقبل متغيِّر. صورةُ المستقبل الحقيقية هي فشلُ الحاضر.
يخالج الماركسية، هكذا ينتقد العديد من الناقدين، تصوّر في غاية المثاليّة عن الطبيعة البشرية، وأنها تحلم، ببلادة، بمستقبلٍ يتصرف فيه جميع البشر بشكل أخويّ وتعاونيّ، حيث سيزول فيه من على وجه الأرض والى الأبد التسابقُ والحسد والظلم والعنف والعدوانيّة والتنافس. في الواقع، قلّما نجد في جميع مؤلّفات ماركس كلمة واحدة يمكنها أن تدعم هذه النظرية الغريبة، بينما لا يرغب كثير من النقّاد في الرجوع إلى الوقائع حتى لا تفسد حججُهم. وهم يكتفون بالادّعاء بأن ماركس قد تنبّأ بحالةٍ من الفضيلة الإنسانية، أي ما يُسمّى بالشيوعية، التي يصعب حتى على الملاك جبريل أن يطبّقها بأمانة، ويسهو في ذلك عمداً أو إهمالاً عن الحالة النفسية غير الراضية على الدوام التي نطلق عليها اسم الطبيعة البشرية.
أجاب بعض الماركسيين على هذا الاتهام بأن ماركس، إذا كان يهمل الطبيعة البشرية، فلأنه لا يؤمن بهذه الفكرة. فهذا المفهوم لا ينفع سوى أن نبقى سياسياً في مكاننا. الإنسانُ مخلوق أنانيٌّ وفاسد وضعيف، كذا، وهو لا يتغيّر عبر التاريخ، بل هو الصخرةُ التي تتحطّم عليها كلُّ محاولة تغيير جذرية. (لا يمكن تغيير الطبيعة البشرية)، هذا هو أحد الاعتراضات الأكثر شيوعاً التي توجَّه ضد أيّة سياسة ثورية. ويردّ بعض الماركسيين على ذلك بأن سجيّة الإنسان ليست ثابتة. وقد أصبحنا على ما نحن عليه بسبب تاريخنا وليس بسبب طبيعتنا، وبما أن التاريخ هو التغيرات التي يرصدها، فإننا نستطيع تغيير أنفسنا عن طريق التأثير في ظروفنا التاريخية.
لم يعترف ماركس، بلا قيد أو شرط، بهذه الفكرة التي (جُعلت تاريخية). وهناك العديد من المواقع في مؤلّفاته التي يعترف فيها ب (الطبيعة البشرية)، وكان محقّاً في ذلك، كما قال (نورمان (جيراس) Norman Geras في كتيّبه الرائع، لأنه اعتقد أن هذا الاعتراف لا يضر بأهمية الفرد، بل على العكس من ذلك، فقد اعتبر ذلك علامة مميزة متناقضة لطبيعتنا المشتركة، وهي أن كلاً منا قد أصبح شخصية منفردة. وقد تحدث ماركس في مؤلفاته المبكّرة عن (جوهر نوع) الإنسان، وهذه هي رؤية مادّية عن الطبيعة البشرية. فنتيجة طبيعة جسمنا المادي أصبحنا حيواناتٍ محتاجة وعاملة واجتماعية وتحب الجنس والتواصل وقادرة على التعبير عن ذاتها، وتحتاج إلى الآخرين للبقاء على قيد الحياة وتجد الرضا عن نفسها في مجتمعها وبما يفوق فائدتها الاجتماعية. وإذا سمحتم لي، فأنا أريد أن أذكّر بما كتبتُه في دراسة سابقة: (إذا كان هناك كائن حيّ آخر يستطيع التكلّم معنا، ويشاركنا إنجاز عمل مادّي مّا، ويدخل معنا في علاقة جنسية، وينتج شيئاً كالفنّ من دون أن يكون له هدف محدَّد، ويستطيع أن يتألّم ويحكي النكات ويموت، فإننا نستطيع اشتقاق العديد من الاستنتاجات الأخلاقية والسياسية من هذه الحقائق البيولوجية). لم تعد هذه الفكرة، التي تعتبر علمياً سمة من سمات فلسفة علم الإنسان (الأنتروبولوجيا) عصرية في هذه الأيام. لكن ماركس تبنّاها تماماً في مؤلّفاته المبكّرة، ولا يوجد أي شيء يدلّ على أنه تخلّى عنها.
بما أننا مخلوقات ناطقة وعاملة وتوّاقة، فإننا نستطيع تغيير وضعنا في سياق هذه العملية التي نطلق عليها اسم (التاريخ). وسنتغيّر نحن خلال ذلك أيضاً. وبكلمات أخرى: التغيير لا يتعارض مع الطبيعة البشرية.
والتغيير ممكن لأننا كائنات خلاقة ومنفتحة وغير كاملة. وهذا لا يسري، حسب علمنا، على العِرْسان مثلاً ( Hermelin وهو حيوان صغير ذو فروٍ كثيف). فالعرسان ليس له تاريخ بسبب مواصفات جسمه المادية، كما ليس لديه سياسة، إلا إذا كان ما رآه في إخفائها عنا. ولن نخاف من أن جنس العرسان سيسيطر علينا يوماً ما، حتى ولو كانوا سيحكمون ربما بشكل أفضل من الحكّام الحاليين. وليس بإمكانهم، حسب علمنا مرّة أخرى، أن يكونوا ديمقراطيين اجتماعيين أو قوميين متطرّفين. أما البشر، فهم وفق تكوينهم حيوانات سياسية، ليس فقط لأنهم يعيشون في المجتمع مع آخرين، بل لأنهم أيضاً بحاجة إلى نظام ما لترتيب حياتهم المادّية. وهم بحاجة إلى هذا النظام من أجل تنظيم حياتهم الجنسية حتى لا تصبح العلاقات الجنسية مفجراً اجتماعياً خطيراً. فالشهوة الجنسية لا تعترف بالفوارق الاجتماعية، وهذا هو أحد الأسباب الذي يجعل الإنسان بحاجة إلى السياسة. كانت الطريقة التي اتّبعها الإنسان في إنتاج حياته المادّية دائماً مبنيّة على الاستغلال والظلم.
ومن أجل التحكّم بالنزاعات التي تنجم عن ذلك، لا بد من استنباط نظام سياسيّ. ونحن نتوقّع من الحيوان الإنساني أنه يمتلك إمكاناتٍ عديدة كي يتخيَّل كل هذه الأشياء بشكلٍ رمزي، بغض النظر عما نطلق عليها من أسماء: فنّ أو أسطورة أو عقيدة (إيديولوجيا).
نحن مزوَّدون، وفق ماركس، بكفاءاتٍ وقوى معيّنةٍ بفضل طبيعتنا المادية. كما نكون نحن إنسانيين جداً عندما نكتشف أن هذه الكفاءات هي هدف بحدِّ ذاتها، ويجب ألا نستخدمها من أجل تحقيق منفعة مشتركة.
تتعلق هذه الكفاءات والقوى بمستوى التطوّر الاجتماعي، لكن جذورها موجودة في أجسامنا، وبعضها لا يختلف تقريباً من ثقافة إلى أخرى. شخصان من ثقافتين مختلفتين ومن دون أن يتقن أحدهما لغة الآخر يستطيعان أن يتفاهما بسهولة في الأمور العملية. والسبب هو أن جسمهما الطبيعي، الذي يشتركان فيه، يُنتج فرضيّاته وتوقّعاته وعمليات التفاهم الذاتيّة. وهناك في جميع الثقافات حزن ووجد، عمل وجنس، صداقة وعداوة، اضطهاد وظلم، مرض وموت، علاقات قربى وفنّ. صحيح أن هذه الأمور قد تأخذ أحياناً طابعاً مختلفاً في الثقافات المختلفة، فالموت في مدراس هو شيء آخر عنه في مانشستر. لكننا جميعاً نموت.
تأليف: تيري إيغلتون