من هي الكاتبة الأغلى من أجاثا كريستي؟
على طول الطريق الواصل بين ساحة الحجاز وجسر الرئيس، كنت أسير وأمتع نظري بالبضائع المتنوعة المعروضة على عشرات البسطات، وعلى سبيل الفلسفة أو الأفلسة – هذا مصطلح جديد من الإفلاس – رحت أحاول التمثل بجدنا سقراط الذي علق على البضائع الوفيرة المعروضة في أسواق أثينا بالقول: (ما أكثر الأشياء التي لست بحاجة إليها). وبينما أقنع نفسي بأن ليس بالخبز وحده، ولا بالثياب ولا الأدوات المدرسية ولا (الشطي مطي) يحيا الإنسان، كنت قد وصلت الى نهاية الطريق تقريباً، حيث تتوزع بسطات الكتب القديمة، وتغري أمثالي المتفلسفين الطفرانين بالنظر إليها في رقادها المثير تحت أشجار الكينا العجوز، تعرض عناوينها البراقة للإيقاع بنا. بعد نظرة مستطلعة تذكرت سقراط فقلت لنفسي: (ما أكثر الكتب التي لست بحاجة لقراءتها)، أكثر ما لفت نظري كثرة كتب الطبخ، وكأن الناس لم تعد تعرف كيف تملأ بطونها دون هذه الوصايا الثمينة… سرعان ما أشحت بنظري عنها، كوني أعتبر نفسي سلفية رجعية في هذا المجال، ولا أخفي انتمائي الى تنظيم (المجدرة وأخواتها) باعتبارها أفضل من كل هذه الوصفات التي تحوي مواداً لم أسمع بها في حياتي. الى جوار كتب المطبخ، تربعت بكل زهو كتب فخمة المظهر تنتمي الى الفصيلة الدينية، ولأني لست عجولة فلن اشتري كتاباً عن (علائم الساعة) ولا أنا فضولية لأستكشف ما اخترعه البعض عن (أصول المعاشرة الزوجية في الاسلام)،بائع الكتب الذي لاحظ وقوفي أمامها،عرض على كومة كتب تصدرت غلافها جميعاً صورة لداعية إسلامي شهير كان لفترة ملك الشاشات، وكان لبرامجه دور كبير في تغيير مجرى حياة كثير من النساء المتأثرات بأفكاره،وقال لي بأن عليها تخفيض من 450 ليرة للنسخة إلى ..150. سبحان من له الدوام! أهذه نهايتك يا استاذ ؟ صارت كتبك تباع بالأوكازيون ؟ يبدو أن بعض الأفكار مثل الثياب تنتهي موضتها سريعاً. أو مثل كتب التنجيم لا تستعمل إلا لعام واحد، بعدها تنتهي صلاحيتها، لذا لا أراها مع الكتب القديمة، إنما تتألق في واجهات المكتبات مع بداية كل عام. مرة ثانية حاول البائع إغرائي بالشراء فدلني على مجموعة كتب متنوعة قائلاً بأن أي واحد منها بمائة ليرة، يابلاش مثل سندويشة الفلافل! تمعنت فيها، فأدركت فوراً أن ليس بيننا نصيب، كانت عبارة عن كتب أدبية ومجموعات شعرية لأسماء لم أسمع بها مسبقاً، وما يميزها عناوينها الخلبية الغريبة التي ما عادت قادرة على خداعي كما كان يحصل عندما كنت (عبيطة)، والحقيقة أني لا أستغرب وجودها هنا على قارعة الطريق، فلا بد أن زوجات أصحابها قد قمن بالتخلص منها في غياب الزوج باعتبارها (شوية كراكيب) لا تنفع، يا للمصير الأسود، قلت لنفسي، وأنا أتأمل كل هذه الكتب، هل كان أصحابها يتوقعون لها هذه النهاية عندما بدأوا نشاطهم الأدبي بكل حماس، فظنوا أنهم سيغيرون الكون بأول مقال ينشرونه، ثم اكتشفوا أن هذا المقال استعمل كمفرش على طاولة الطعام، أو أداة لتنظيف الزجاج. وقبل أن أجيب نفسي على سؤالها انتبهت الى شيء رهيب بين تلك الكتب…
يا للعار…إنه كتابي العظيم، ماذا يفعل هنا كالمتشردين ؟ أمسكته بيدي ومسحت فضلات الغربان عن غلافه، إنه هو حقاً! كيف وصل كتابي العزيز الذي دفعت دم قلبي لطباعته الى هذا الرصيف ؟ بما أني لم أبع أي نسحة منه، فلا بد أن واحداً ممن أهديتهم إياه قد فعل هذه الفعلة الشنيعة، قلبت صفحاته، فإذا بها قد اصفرت من هذه المعاملة المخجلة، حسناً، سأنتقم لك قريباً يا كتابي، في المستقبل لن أكتفي بتطنيش الكتب التي ستهدى إلي من أصحابها، ولن أبيعها بخمس وعشرون ليرة لبائعي بالة الكتب، بل سأهديها الى بائعي البزر ليتولوا هم نشر صفحاتها القيمة في كل أركان المدينة. عندما لاحظ البائع اهتمامي بالكتاب عاد يؤكد لي أنه سيعطيني إياه بمائة ليرة مذكراً إياي بأنه لا يزيد عن ثمن سندويشة فلافل ممسوخة، فأبديت قلة اكتراثي به خوفاً من أن يكتشف الصلة المشبوهة التي تربطني بالكتاب، فأنا كنت أفكر بأن علي شراءه بأي ثمن، لكي لا يبقى هنا أمام أعين الشامتين من جهة، ومن جهة أخرى لكي أحتفظ بهذه النسخة للمستقبل، بعد أن نفذت النسخ التي عندي بسبب كرمي الثقافي، فلا بد أن أحتفظ لأحفادي بما يثبت لهم أني كنت كاتبة خطيرة يوماً ما، فلا ينظرون إلي على أني مجرد عجوز ثرثارة مملة، المهم قلت للبائع: خمسون ليرة كفاية، ألا ترى الطباعة البائسة، فأصر على المئة ليرة، ثم دلني على كتاب آخر عتيق الصفحات، قائلاً: إذا أردت خذي هذا بخمسين ليرة، (جريمة بين السحاب) إنها رواية لأجاثا كريستي، يا إلهي، شيء رائع، إذن كتابي أغلى من كتاب أجاثا كريستي، كم هذا مؤثر! مسكينة أجاثا، ستحزن لو سمعت بهذا، وأنا لا يهون علي زعلها أبداً، فلطالما استمتعت بقراءتها مع زميلاتي أيام المدرسة، حين كنا نجلس في المقعد الخلفي بالصف وننسى أنفسنا، الى أن نتلقى توبيخ المعلمة، حسناً كم اشتاق لمعاودة ذاك الشعور، أعطني الرواية يا عم، خذ هذه خمسين ليرة. وعلى كل حال، فالوقت ما زال مبكراً على التفكير بأحفادي، وسأجد متسعاً من الوقت لألملم نسخ كتابي من الأرصفة مع الوقت.