الشيطان مجسداً

دون سابق إنذار، حوّل صديقي الرسام مرسمه إلى مَنحت (أي مشغل للنحت )، ألقى فرشاته وألوانه جانباً وقبض على الإزميل والمطرقة، وراح ينسج مع الحجر والغبار خيوط علاقة جديدة سرعان ما وشّت تباشيرها بتناغم وانسجام تجاوز ما كان بينه وبين الألوان، وحين سُئل عن سرّ هذا التحول الخطير الذي طرأ على مجرى مسيرته الفنية، أجاب كما لو أنه قد حضّر الجواب مسبقاً: التجسيد.. لطالما شعرت بالحاجة إلى عامل إضافي يساعدني في تقديم الفكرة المضطربة في مخيلتي بالشكل الأمثل، وقد وجدت في النحت ضالتي.. إنه فن يتيح لك الاستثمار الأمثل للأبعاد.

طبعاً، لست بصدد تقييم وجهة نظر صديقي من الناحية الفنية، أو الدخول في مفاضلة بين فنين لكل منهما أهله وعشاقه، ما يعنيني هو جوابه البسيط الذي وجدت فيه لاحقاً ما يمكن أن يكون تفسيراً منطقياً لمسألة جديرة بالبحث والتمحيص.

إنها الصورة النمطية للإنسان العربي في نظر الرأي العام الغربي، تلك الصورة المزرية التي بات القاصي والداني يدركان حجم الجهود المبذولة على مدى عقود في سبيل ترسيخها وتكريسها في وعي المتلقي الغربي، غاية تضافرت في سبيل تحقيقها جهود العديد من وسائل التأثير من أدب ومسرح وسينما بالإضافة إلى مختلف وسائل الإعلام المرئي والمسموع والمقروء، والأمثلة أكثر من أن تطلب فرادى، ولا سبيل إلى إنكارها، اللهم إلا من باب المكابرة والتعنّت.

أما الجديد نسبياً في هذا الشأن فهو التحول النوعي  الذي طرأ على الأفكار الأساليب والأدوات المسخّرة لخدمة الغاية ذاتها خلال العقدين الأخيرين، تقريباً منذ تفكك الاتحاد السوفيتي ودخول العالم في حقبة القطب الأوحد وبدء الغرب- بضفتيه –  رحلة البحث عن عدو جديد يتيح له تبرير سياساته الاستعمارية، هذه الحقبة التي ما كادت تتم عقدها الأول حتى أهدت العالم أحجية 11 أيلول 2001 وما تلاها من تداعيات غيّرت وجه العالم. 

 صديقي النحّات – الرسّام سابقاً – وجد في التجسيد قوة لا يمكن أن تتأتى للصورة بالغاً ما بلغت من الحرفية والإبداع، فآثر استغلال مخزون الطاقة هذا في إبراز فنّه ، وأزعم أنه في تلك الحقبة المفصلية من تاريخ العالم ثمة في الغرب من رأى أن المرحلة المقبلة تستوجب الخروج من تلك الأساليب التقليدية المملة فيما يخص الحرب الدعائية المزمع شنّها ضد العدو الافتراضي الجديد، واعتماد أشكال وأساليب أخرى أكثر تطوراً وإقناعاً،  فتوصل لذات النتيجة، وجد في قوة التجسيد ضالته المبتغاة، فبدأ شكل جديد من أشكال استهداف صورة الإنسان العربي – والمسلم، وأحياناً الشرقي عموماً-  يتبلور ويظهر إلى العلن.. شكل جديد يكاد يكون ثورياً من حيث الفكرة والأسلوب والأدوات وصولا  إلى النتائج المدهشة التي تمخضت عنه، فبدلا من إضاعة الوقت والجهد في اختراع وصياغة شخصيات أدبية وسينمائية خيالية بلا روح تروّج لقبح الإنسان العربي بالأسلوب التقليدي النمطي المكرور من خلال الصورة والكلمة، جرى الانتقال إلى مرحلة جديدة عنوانها العريض هو تجسيد النموذج القبيح المطلوب على أرض الواقع وتركه يتحدث عن نفسه بنفسه، طبعاً لم يكن أصحاب المشروع بحاجة للانطلاق من نقطة الصفر، فقد كان لديهم من الإمكانات والأدوات ما يسهل مهمتهم الشيطانية، بدءاً من الفجوة التكنولوجية الهائلة بينهم وبين الشعوب المستهدفة، مروراً بثورة الاتصالات وتطبيقاتها التي أفضت إلى تكريس احتكارهم لمعظم وسائل الإعلام العالمية الجاهزة لتلقف وتبني كل ما من شأنه خدمة الغاية (السامية)، وصولا  إلى الوفرة المثيرة للشهوة في أعداد من يمكن تصنيفهم في خانة الطابور الخامس في البلاد المؤهلة لتكون مسرحاً للتجربة الجديدة، ولا ريب أن أصحاب المشروع قد وظفوا إنجازات علم النفس الاجتماعي الحديثة لخدمة غايتهم، ولعلهم استوحوا بعض أفكارهم من تجربة برامج تلفزيون الواقع التي غزت الشاشات، ولاقت إقبالاً  جماهيرياً منقطع النظير له من الدلالات ما لا يخفى على ذوي الشأن والاختصاص الذين يدركون الأبعاد النفسية والاجتماعية لهذه الظاهرة.

في النهاية، لم يكن على من تبنى هذا المشروع الواعد سوى وضعه في الإطار الاستخباراتي الضليع تاريخياً بإدارة تفاصيل مثل هذه المهام القذرة، لتتحقق النتيجة الباهرة، وليشهد العالم أخيراً ظهور نموذج إنساني فريد من لحم ودم يتجاوز بقبح سلوكه وشناعة أفعاله كل ما قد خطر في بال مخرجي هوليود على الإطلاق.

اليوم.. لم يعد المتلقي الغربي وغيره يرسم صورة العربي أو المسلم في مخيلته بناءً على ما يقرأه في رواية متحاملة، أو يشاهده في فيلم سينمائي مشبوه التمويل، يكفي أن يتابع نشرة أخبار تنقل الحدث من مصدره بالصوت والصورة والتعليق المستفيض ليشاهد بأم عينه هذا النموذج الشيطاني المبتكر متجولا  في شوارع بنغازي والموصل وصنعاء وحلب، يحرق ويسرق ويدمر ويذبح ويسبي… ويكبّر.

صديقي النحّات يعمل اليوم على إنجاز نصب تذكاري يخلّد ذكرى مأساة أطفال مدرسة عكرمة المخزومي في حمص، تلك البراعم الغضة التي حصدتها يد مخلوق من إنتاج تلك الورشة الجهنمية التي ما زالت تستنسخ الآلاف منهم كل يوم.

بإزميله ومطرقته يريد أن يقول لأولئك الشياطين أن الحياة أقوى من أن يقتلوها مهما سخّروا لهذه الغاية من أفكار ووسائل شيطانية.

العدد 1188 - 25/02/2026