جايبلي سلام

ماذا جلبتم لأمّكم يا عصافير الجنائن؟ يا من تدفّأتم بحضنها دون أي إحساس بانفصال عنه، لأنكم في حاجة إليه، ولأنها كانت وتبقى أمّاً. حين كانت الجنائن أبعد من حلم كان حضنها جنّة لا تضاهيها جنّة، وكنتم ترون نهاية الكون عند أطراف ريشها. أي سلام أهديتموها؟

كم رنّت قصائدكم على منابرها، وكم علّقت لوحاتكم على جدران معارضها! كل ذلك كان أيام كنتم تكذبون. كم تقيّأتم كذبكم، واجتررتم نفاقكم خلف شاشات فضاءاتها! وكم قلتم إنها ستُعزل! وكم طالبتم بعزلها!

أيها المنتشرون حولها كالفراش، هل تعلمون ماذا يعني أن يطالب الصغار بعزل أمهم؟ يعني أن تتناثر الأجنحة هباء، يعني أن تتشابك الدروب في متاهة لا خلاص منها، ويعني حزن الأم على صغارها المعزولين. الأم تستطيع أن تكمل حياتها بحزن بعيداً عن صغارها، لكن الصغار لا يستطيعون، فإن غابت الأم غاب الدفء والحنان والأمان، وغابت مقومات النموّ كلها.

من طالب بعزل سورية توصّل إلى يقين من أنه عزل نفسه، عزل الهواء والضوء، عزل النسغ عن عروقه، وعاش كما تعيشون الآن، كائنات نيّئة، لا تنضج ولا تكتمل. سورية الأم مأزومة الآن بسببكم، فهل أدركتم ما خسرتموه من أزمتها؟ تحللتم كاليرقات الرخوة، فكل حدود بين كيانين ممتلئ بتشابكات من كل الأنواع، خلافات لا حصر لها، حتى تلك الأقاليم التي ظنّت يوماً أنها توحّدت، أو تعاونت، تدرك الآن حجم الهوّة التي غطاها نفاق عقود من السنين.

بقليل من التأمّل أيها العاقّون تدركون حجم سورية، حجمها الإقليمي والدولي، فها هي الدروب تتشابك حولها أكثر فأكثر، وهي ما زالت تحوك الخيوط كما تشاء، ولن تحلّ التشابكات إلاّ كما تشاء. سورية عقدة هذا العالم، كم قالها المفكرون والحكماء، وكم أثبت تاريخها صدق أقوالهم! الجياد التي ترونها تجمح في جهات الأرض مربطها هنا، في دمشق. سترون وتسمعون كيف يعود إليها الصهيل وتتراقص في شوارعها الأعراف، سترون وتسمعون كيف يعود الفراش إليها بأجنحة مقصوصة أو متعبة. هي بؤرة الضوء، وهي مساحة الإشعاع، فيا عصافير الجنائن كفاكم لعباً بالنار، عودوا إلى ضوئها، وحاذروا غضب أم أنهكها صغارها.

عودوا إليها، فما زال في صدرها الحليب، وما زالت في حوانيتها الحلوى، وعلى أرصفتها آثار أقدام طفولية. هي تنتظركم دونما أعذار، ودونما هدايا، فقد أهديتموها براءة كلماتكم الأولى حين كنتم تتعلمون الكلام، وهي ستنسى هداياكم المدمّرة حين كبرتم، أو ظننتم أنكم كبرتم. أجل ستنسى وتسامح.

من يكبر وينمو بعيداً عن أمه يبقى نموّه ناقصاً. كم تحتاجون من علب الحليب…! وكم تحتاجون إلى الركض واللعب بأمان، اللعب بأمان وبراءة، لا اللعب من وراء الأبواب، وفوق الحبال. هنا فقط تكبرون، وهنا فقط يحق لكم أن تكونوا سوريين بحقّ. هنا فقط ينمو ريشكم نمواً طبيعياً، وهنا تتدرب أجنحتكم على التحليق، هنا تحت جناحها.

في سورية يتوحد أبناؤها، وحتى في اختلافهم يتلاقون، فقط أن تكونوا سوريين، هو ما تطلبه منكم سورية، فلا أبناء الأعمام وفوا، ولا الأشقاء اعترفوا بالأخوّة. بل وصل بهم الأمر إلى ما رأيتم وما سمعتم، وما زالوا ماضين في غيّهم، وربّما سيبقون إلى أن تقوم الساعة، فهل يعرفون أن الساعة لن تقوم إلا على توقيت الشام؟

العدد 1195 - 23/04/2026