كل ظاهر بسيط… وكل باطن خطير

ليست كل بداية مثل نهايتها، فلا الزهرة تشبه ثمرتها، ولا النار مثل رمادها، ولا القشرة كلبّها، ولا البذرة كالشجرة.

ودائماً كانت جذور النخل أقسى من أغصانها، وقاعدة الجبال أعرض من قممها، ونور الشمس غير نارها، وقرابة الدم غير قرابة الروح والفكر، فالأولى مفروضة علينا، أما الثانية فنختارها بإرادتنا. وقد تتشابه الأسماء، لكن المعاني تختلف.. فذيل الفأر غير ذيل التمساح، ورأس الصقر غير رأس الديك، ومخلب النسر غير ظفر الصوص، وجلد الضفدع غير جلد الأفعى والثعبان.

وليست جميع الأجساد ولدت لتطير، ولا كل الأجنحة وجدت لترفرف، وليس كل غيمة بيضاء ممطرة وتحمل الثلوج، ولا جميع السواقي قد تصل إلى البحار، ولا كل الشجر الأخضر يحمل الثمار، ولا كل الينابيع والأنهار صالحة للشرب أو الاغتسال. أليس من السهل علينا قياس طول الشجر، وعد أوراقها، وإحصاء ثمارها، إنما الصعوبة قد نجدها في قياس طول جذورها المتغلغلة في باطن الأرض، والممتدة تحت أعماق الصخور.

إذاً بحثنا عن الباطن قد يستغرق زمناً طويلاً، وقد نمضي حياتنا دون الوصول إليه، وإذا حدث أن وصلنا، فقلّة من يحافظون على حياة تلك الجذور العميقة، وهل يمكننا أن نتخيل أن نصل إلى جذور شجر النخيل والزيتون من دون أن يضرّ ذلك بالشجرة وثمارها؟!

إن المخفي والباطن عميق وخطير، وكرامته وفائدته قد لا تكون إلا باختفائه عن أعيننا، وحضوره في وجداننا وبصيرتنا. فنحن نعرف أن للأشجار جذوراً لكننا لا نراها، وندرك أن حرارة الشمس قد تبلغ مليون درجة مئوية لكننا لا يمكننا أن نشعر بحرارتها العالية تلك، وإلا احترقنا وتفحمنا، وتبخرنا!

إن عظمة الباطن تكمن في غيابه عن أعيننا، وحضوره في فهمنا ووجداننا، فقلة معرفتنا بأسراره تجعلنا نخافه ونحترس منه، فكل ظاهر لحواسنا بسيط، ويسهل التعامل معه، وكل باطن خطير ويصعب اللعب معه، وقلة من يفكّرون ويتأملون في حياة ومسيرة تلك الأحياء الغائبة عن مسيرة وحياة حواسنا.

إن الباطن هو ما يحمل الأشياء والأحياء من حولنا، وليس العكس، وبقدر صلابة الداخلي تكون قوة الخارج، ومن أراد الصعود، فعليه أن ينزل إلى الأعماق أولاً!

إن ناطحات السحاب، والأبراج والقصور والقلاع تحملها وتحميها من الانهيار قضبان الحديد الفولاذية، وصلابة الصخور المخفية أصلاً عن أعيننا، والإنسان يحمل بين أضلاعه وتحت قشرة رأسه أعظم ما فيه وهو القلب والعقل، وكلاهما مختبئان عنا وعن عيون الآخرين.

وتبقى العيون متشابهة، لكن رؤيتها للعالم تختلف من عين إلى أخرى، وهل تستوي عين الجاهل مع عين العارف؟ وبصر الأطفال والتلاميذ مع بصيرة المعلمين وأساتذة العلم والمعرفة؟!

العدد 1190 - 11/03/2026