جوكندا دافنشي وتقاسيم الأطرش
قُل دائماً ما تشعر، وافعل ما تُفكر.
(غابرييل ماركيز)
يحدث أن تلتقي مَنْ، لشدة (محبتك) له، كنت ستغير طريقك أو اتجاهك، لو تسنى لك. ولباقة منك..
كي لاتستعديه أكثر..
ولأكثر من احتمال، تسلم عليه وتسأله عن الصحة، وقد تدعوه للزيارة إن صادف وكان بيتك قريباً. في حين يقول لسان حالك: (ماني طايق شوف خلقتك)، العبارة التي لم تقلها واستبدلتها ببضعة مجاملات، تواضع عليها المجتمع!.
يقع بصرك على ابنك المراهق، يصفف شعره أمام المرآة، مغيراً التسريحة مرةً تلو المرة، وحركاته تسابق نظراته. فتعرف أن ذلك الوضوء ليس إلاّ استعداداً لتلك الصلاة، أي التقاء المحبوبة. وتشتعل أحاسيسك..
تزغرد عصافير أبوتك..
وقد تطفر دمعتك، فتمسحها دون أن يراها، وأنت تتقدم منه سائلاً:
إلى أين إن شاء الله؟
فيجيبك مُصرِّحاً أو مُلمِّحاً: (إلى…)، فتربت على كتفه داعياً له بالتوفيق. ثم تتلو عليه ما تيسر لك من تنبيهات وتواصي. كاظماً عاطفتك وحاجباً عنه كلمة زيا تقبرنيس وقبلة، كي لا تظهر له ضعفك..
كي لا يطمع بك..
وربما كي تساعده على الانتقال الصعب، من المراهقة إلى الرجولة!
وقد يحصل، ويضربك الحظ زمِنِّيّةس، فتجتمع على غير موعد ولا توقُّع ولا احتمال (بجارحة قلبك) حسب تعبير المرحوم الفنان زسامي صيداويس. وهي في أحلى حالاتها رقةً وعذوبة وشفافية، حتى لتبدو امرأةً أثيرية، تكاد تطير وتطيّرك معها. فتغدق عليها حلّةً لغوية، تحاول نسجها من جارح جمالها ومجروح قلبك، لاجماً – ولدزينة أسباب، اجتماعية ونفسية و.. – طموح لسانك وجموح جوارحك عن قول: (دخيل…) التعبير الذي لو استعنت به، لكفاك مؤونة ما أحسست وما وصفت!
مما نُضمره عادةً، ونحجر عليه في دواخلنا، لدوافع عدَّة: صحية، سياسية، دبلوماسية، أو سواها. ما قد نحمد رأينا عليه فيما بعد، على أساس أننا أحسنَّا صنعاً. ومنه ما قد نندم على عدم قوله، إلى آخر يوم في عمرنا، ولاسيما إذا كان الطرف الآخر، قد انتقل من جوارنا، إلى جوار ربه. لنعود ونتحسر عليه ولسان حالنا يقول: (يا ألف ريت قلنالو!).
هذا ما يتحصّل فيما يعرض لنا ونواجهه، في البيت..
في الشارع..
في السوق..
وفي العمل.
أمّا في الفن والأدب والإبداع على أنواعه وألوانه، فالأمر مختلف جداً، أسباباً ونتائج. إذ لا يستطيع المعنى، أديباً كان.. نحاتاً.. رساماً.. موسيقاراً.. أو أي مبدع آخر، قول كل ما يريد تماماً، في منتجه. وإن استطاع، فذلك يعني نهايته، كمبدع بشكل أو بآخر.. اعتزالاً.. جنوناً.. انتحاراً.. أو ما إليه. ولنا في الشاعر خليل حاوي والتشكيلي لؤي كيالي مثال غير حصري، على ذلك، في كثير أو قليل.
تجدر الإشارة هنا، إلى أن من الأهمية بمكان، في هذا الموضوع. التنويه بالقيمة القيميّة، للكامن خلف المنتج الإبداعي (المقول) أي الذي لم يقل بعد. وهنا، على عكس ما مر معنا، في بداية الكلام. يحمد المبدع ربَّة إلهامه، كونها لم تسعفه في قول ما أراد زعلى حبتهس ما يعطيه كموهبة إبداعية، مزيداً من الدفع والتحفيز للطموح والمواصلة.
لئن صحّ، أن وراء كل عظيم امرأة، على أساس أن في كل عظيم مشكاة من إبداع. فمن الصحيح أيضاً، أن يكون وراء كل (عظيم أعظم). ووراء كل زإبداع أبدعس. وهل من شك في أن ما لم يقله (القباني) مما قالته له السمراء، كان أعظم وأشَعَر؟..
مالم تظهره ريشة (دافنشي) من ابتسامة (جوكنداه)، سحره كان أدهى وأعظم؟..
ما لم يَروِهِ (إيتماتوف) في رائعته (ويمر يوم أطول من دهر) كان أروع وأعظم؟..
وأنَّ ما يضطرم ويتوهج، من نار الغرام ووجع الإبداع، في شرايين قلب (الأطرش) وطيّ أنامله، أثناء تقسيمه على العود، كان يفوق (تقاسيمه) سمواً وعَظَمَة؟!.