في الطريق إلى الغرفة الرابعة

هكذا وجد نفسه فجأة أمام المجهول.. ما يفصله عن الداخل هو جدار من الخوف والرهبة.. ولكن لم يعتد أبداً أن يواجه الخوف بمثيله، فقرر أن يلج دون أن يدع لتفكيره حرية مرافقته.. انتزعوا منه البراءة على الباب الحديدي، ذلك الباب الذي أصبح بمثابة الجدار العالي أو السور الحاقد الذي يفصله عن الركض مع النسيم والتمتع بظله في حرارة الشمس اللطيفة. لم تكن تلك الشمس لتستطيع اجتياز السور والأسلاك الشائكة التي تزينه من الأعلى بأقبح مظهرٍ.. انسلخ عن ظلّه.. أشباح من الوهم تركض في كل الاتجاهات..إسوارة حديدية أحاطت معصمه.. حاول أن يحاور ذلك الشخص.. لكن الأخير أشاح بوجهه الكالح ثم.. ثم ما لبث أن افترّ ثغره عن ابتسامة ملؤها الخبث.. طلب منه شيئاً من الماء، لكنه مدّ يده طالباً ثمن ذلك.. كانت تلك هي المفاجأة الأولى التي لم يكن يتوقعها أبداً.. تساءل: ولكن أين الرحمة يا سيد الباب؟ كان يرمي بذلك إلى احتقاره بطريقة ترضي غباءه.. أجابه بنزقٍ: عن أي رحمة تتحدث؟! لقد ربطناها من براءتها وقيدناها.. هنا لن تجد لها أي أثر إلا إذا كانت جيوبك عامرة بالتخمة.. أو كانت لك قريبة جميلة…!! لقد سلمناها لسواد الليل ولجهل الوحوش التي تربض في زوايا المكان.

لم يستوعب ما يراه.. تتجمع الطرائد وهي ما تزال تنزف حريتها، شيئاً فشيئاً كان يخطو في لجة السواد. لم يستطع أن يتجوّل بأفكاره.. النهار الذي استيقظ على النزيف يضمحل نوره والخطوات التائهة تتعثر بخوفها الآتي من العيون التي ترمق الضحية بكل شراهة.. وهناك وعلى البلاط الأملس، كان يقف شخص آخر يضع يديه في المجهول وقد سرّح الرحمة من على وجهه.. كان يعد الطرائد ويهز بحوافره في إشارة إلى ما ينتظر الجميع.. تقدما منه.. كانت الإسوارة تعضّ معصمه بحقد جائع.. كان يلتهم أمعاءه من الجوع وهو يذرف آخر مواقعه الحصينة ويلعن الكلمات التي لم يستطع إلاّ أن يتقيأها وبصراحتها وشفافيتها المفضوحة.. كانت كلمات رفاقه تعبر ذاكرته عن المبالغ التي يصرفونها في المساءات الحمر… وكانت زمجرات العربات التي يركبونها تحزّ أذنيه لتوقظه من انحداره بأفكاره الشريفة … قال في نفسه: من المؤكد أنني كنت على صواب ولكن ربما لم أستطع أن أختار الوقت المناسب… أشار إليه الشخص الذي يضع يديه في جيوبه وأصوات القطع النقدية تتأوه بين أصابعه وترتفع حتى حدود السارية المرتفعة كمحطة للطيور التي تعبر المكان.. تقدم وهو يتعثر بالكتل السوداء التي تحاصره.. حاول أن يصرخ.. أن يلتقط أنفاسه.. أو بعض اللعاب ليقذفه باتجاهه.. لكن دون فائدة فاللعاب قد جففه الانتظار.. تهدلت كلماته وهي تتقطع.. أحسّ باللون الأصفر يعبر عينيه… لم يعد متأكداً مما إن كان قد بصق أم لا.. كانت آخر كلمة سمعها وهم يسحبونه من رقبته عبر الدرج المتآكل… خذوه إلى الغرفة الرابعة… وهناك استيقظ في صباح اليوم الثاني على عوائه بينما كانت يده تبحث بين ساقيه عن أسباب البلل الذي يحيط به..!!!

العدد 1194 - 15/04/2026