الحلم كملاذِ آمن

رجلٌ غضبت عليه السلطات كلها، غضب عليه الله والأقدار، صار اسمه مرادفاً للخطايا، اجتمع أهل الحل والعقد لينظروا في أمره.

بعد المداولات والاطلاع على التهم المنسوبة للرجل، وهي أكثر من أن تحصى، ولم ينكر أياً منها، بل أكّدها وأعاد تمثيل جرائمه كلها بإتقان لافت، هي أحلامه التي كان يجهر بها كاملة بدون حذف أو تحوير أو خجل، كان يسافر إلى مدن لم يسمعوا بها، ويجلس في قصور الحكايات التي يروونها في ليالي الشتاء المظلمة، حوله أنهار الخمر والعسل التي تتحدث عنها الكتب ومجالس الذكر، نساؤه سيدات الكون كلهن، لم يترك امرأةً جميلة في القرية إلا وروى ما حصل بينه وبينها بكل تفاصيله، لم يترك رجلاً إلا وروى شهادته عنه في ساحة القرية: ذلك الذي كان يخالف العادات.. سارقو البيادر، ما يعطيه الآغا للدرك وما يأخذه من الفلاحين، ما تفعله زوجات الآغا مع سلمو الخادم والوكيل ومندوب الآغا في لجنة حكماء القرية. وكان سلمو يبقى صامتاً فيما يتكلم الجميع ويحتد الجدال بينهم، الشيخ، والأستاذ، والوجهاء، ثم ينطق أخيراً، يطلق الحكم النهائي، فجأة تتوحد الآراء، يجد الشيخ آية أو حديثاً يدعم رأي مندوب الآغا، ويُلبس الأستاذ رأي سلمو لباس المنطق، والوجهاء يسحبون كل ما قالوه لصالح كلام سلمو، يصبح الكلام قراراً غير قابل للطعن.

ولأنه لم يكن ثمة مقصلة في  القرية البعيدة، ولا كرسي كهربائي، ولا غرف تعذيب حتى الموت، وهذا الجاني يستحق أبشع ميتة كما أشار سيدهم، ارتأت الهيئة وضعه عارياً مقيداً على تلة القرية في ليلة صقيعية عاصفة وتركه يموت برداً.

صباح اليوم التالي تفقدوا الرجل الذي افترضوه جثة متجمدة، وجدوه جسداً منطوياً على نفسه، وقد صار الصقيع ثوباً له، بدؤوا يترحمون عليه، لكنهم ما أن اقتربوا منه حتى سمعوا همهمات، ثم انجلت الهمهمات بعد أن اقتربوا أكثر، تبادلوا النظرات، استعاذوا بالله من الشيطان الرجيم.

 هم قضوا الليل تحت الأغطية السميكة في أحضان زوجاتهم وكانوا يرتجفون برداً، هذا الرجل الذي غطى الصقيع ملامحه، حتى لا تبدو منها سوى شفتيه الزرقاوين، كان يغني مواويل الرعاة وأغاني الأعراس والحصاد، هي ما سمعوه من الرجل الصقيعي.

قرروا بالإجماع إعادة محاكمته ليعرفوا سرّ بقائه حياً أولاً، ثم لينظروا في أمره تالياً، فلربما كان الرجل من أصحاب الكرامات حتى استطاع أن يقهر برد ليالي كانون القاتل..

أعادوه إلى مضافة الآغا الذي فوجىء بالرجل حياً رغم الصقيع الذي يغطي جسده النحيل، ما زال يغني..

أدفؤوه، سقوه شراباً ساخناً، حتى توقف عن الغناء وفتح عينيه ليتفحصهم واحداً واحداً، كان يحاكمهم بعينيه المتوقدتين.

ثم بدؤوا استجوابه، كان السؤال الأول والأهم لدى الجميع: كيف بقيت حياً في هذا الصقيع؟

الرجل سارع إلى الاعتراف كعادته:

بعد وقت قصير من تركي في بطن الليل البارد صرتُ أقترب من الموت، رأيته قريباً مني، كان يهيئ أنيابه ليفترس روحي التي تريد الهرب من هذا الصقيع إلى أحلامي الدافئة.. فجأة نظرتُ إلى البعيد، إلى الجبل العالي، كان ثمة ضوء شحيح لموقد نصبه الرعاة وتركوه، تمعنتُ فيه جيداً، اقتربتُ منه حتى كدتُ ألمس الجمرات المتوقدة فيه، بدأ البرد ينقشع مــن داخلي، عـــــــادت الــروح أدراجها، خلع الموت أنيابه وتركني محاطاً بالصقيع وممتلئاً بالدفء.. ثم جاءتني الأغاني، كل الأغاني التي كانت تغنيها لي أمي لأغفو على صدرها، الأهازيج التي كنا نرددها صغاراً، أغاني الأعراس التي كنا ننتظرها لنراقص صبايا القرية، مواويل الرعاة، الأغاني التي غنيتها لامرأة بعيدة تنتظرني بلا أمل.. لكنها تنتظر..

بقيت أغني وأتدفأ بذلك السراج البعيد حتى بانت خيوط الضوء الأولى، حتى أتيتم..

العدد 1194 - 15/04/2026