مدمنو النفاق
تشيع في الأو ساط الثقافية والسياسيّة والإعلامية أشكالٌ وتلوينات مختلفة من الازدواجية والنفاق والتكاذب المصلحي- النفعي والوظيفي والاجتماعي.
وهي ظاهرة تعكس بمجملها تجليات التخلف وطرق (التحايل) الفردية والجمعية لمواجهة القهر والشعور بالدونية، ومحاولة التقرُّب إلى أصحاب المناصب والمكانة السياسية والمهنية، بصرف النظر عن القناعة باستحقاقهم تلك المناصب أو عكس ذلك. فما إن يحلّ شخص ما في موقع ذي أهمية، ولوكان نكرة في وسطه المهني أو الثقافي أو الأكاديمي أو الاجتماعي، حتى ينبريَ عدد من ممتهني النفاق..للبحث، والتنقيب عن (فضائله) وخصاله المتميزة، و(اختراع) مواهب وومضات (عبقرية)لهذا (الفلتة) النادرة. فتتحول ملامح الغباء التي يمتاز بها إلى شطحات إبداعية عظيمة، وتصبح العبارات الفجة الغليظة الملازمة له، حِكَماً وأقوالاً مأثورة يتنافس المنافقون في حفظها والاستشهاد بها، وكأنها صادرة من سقراط أو أفلاطون أو لقمان الحكيم أو المعري أو المتنبي.
ونتيجة اعتياد هذا المحظوظ على بيئته الجديدة المشار إليها، تتغير شيئاً فشيئاً (أناه) الوجلة والمترددة والدونية، فتتحول إلى(أنا) طاغية، متضخمة أو متورمة، عنيفة، عدوانية تتوجه بسيادتها المرضيّة إلى الأشخاص الضعفاء والمهمشين، أو الذين لايخشى انتقامهم وأذاهم. وكلما زاد عدد المنافقين حول صاحب الأنا المتعملقة، زاد انسياقه وانزلاقه باتجاه التناقض والازدواجية والتعقيد الداخلي. فهومن جهة يتسم بطبيعته بالجبن والخوف والاهتزاز الشديد، وغياب التوازن، وانعدام الثقة بالنفس، ومن جهة أخرى لم يعد يسمع منذ اعتلى كرسيه الجديد سوى كلمات الإطراء والإعجاب والمدائح. ولم يعد يجد الوقت ليلتقط أنفاسه أو ليعود إلى أسرته ويراجع ذاته أو ليفكر بمدى صحة ما أضفي عليه من صفات وخصال ومواهب. فقد أصبح (نجم) الندوات والملتقيات، وموضع التكريم الدائم والتبجيل، حتى إنه يتساءل بينه وبين نفسه: لماذا لم يكن قد (اكتشف) من قبل هذه الخصال والعبقرية؟!… ولماذا لم يلحظها الناس قبل أن يوضع في منصبه هذا؟!
ولأنه استمرأ القصة وصدّق الأكذوبة بدأ يتصرف على هذا الأساس، يتحدث في كل أمر وموضوع، يعطي رأيه بكل حدث وموقف، يجزم بهذا المعنى أو ذاك بكل اندفاع وحسم وتهور. والأخطر من ذلك كلّه أنه تماهى بالوضعية المصطنعة إلى حد أنه لم يعد يقبل العودة إلى شخصيته الحقيقية أو (السابقة)، ذات السمات المعروفة لدى أهله وزملائه وأصدقائه. فلقد قرّر التخلي عن تلك العناصر والمكونات الطبيعية وحرقها، وارتداء قناع الزعامة والقوة والإبداع! وبما أنه قرر التنكر لشخصيته الأصلية بكل مقوماتها، فلا بد له من التخلص من كل ما يذكِّره بنشأته الاجتماعية والأسرية، وقد يكون من الأفضل تغيير اسم العائلة ولقبها(غير العصري)، مروراً بهجر الزوجة الأو لى (زوجة ما قبل المنصب والألقاب الجديدة)، والانفصال عنها، وصولاً إلى رسم لوحة منمقة جميلة ورومانسية لسيرة شخصية تصلح للأبطال والزعماء والقادة الأفذاذ. حيث تجري عليها (تعديلات) وتحويرات مستمرة تبعاً للمواقف والأحوال، إلى أن تترسخ، من خلال (مقامات النفاق) ومقالات الإطراء، والقرارات (التحليلية) (لإبداعات) مزعومة، لا تمت إلى الواقع بأي صلة.
وإذا كان الأهل والأصحاب يعرفون الحقيقة فإن الأو ساط الخارجية تأخذ بظاهر الأمور وتصّدق غالباً ما يطرح في الندوات والملتقيات وما يكتب في (القراءات النقدية)، التي تخُصّص (للأعمال الإبداعية) الجليلة للعباقرة في الأمة من أصحاب المناصب. وبما أن هؤلاء اندمجوا في الدور، فاعتقدوا بوعي أو لاوعي أنهم يستحقون كل ما يقال فيهم من مدائح وقصائد وأكاذيب، واستقرّ ذلك في عقولهم ووجدانهم وسلوكاتهم.. فقد أصبحوا يرفضون كل رأي آخر، مهما كان وجيهاً ومحترماً وموضوعياً ومتوازناً، بل إنهم سرعان ما يتحولون إلى منتهى العدوانية والإفراط في ردود الفعل السلبية إذا ما جوبهوا بمن يشكك بإبداعاتهم ومواهبهم وثقافتهم، وويل لهذا المغامر الناقد إذا ما كان في موقع تابع لهم، أو أنه في موضع المرؤوس لهم.. فإنه سيكون عندئذ (كيس التمرين) البلاستيكي، الذي ستنزل عليه أقسى الضربات واللكمات والعقوبات، وستفرغ فيه كل شحنات البغضاء وعقد النقص والعجز والهلع الجواني، التي تعكس ازدواجية الشخصية واضطرابها واهتزازها العنيف.
إن ذلك العنف الانفعالي ضد الطرف الأضعف يؤكد قلقاً شديداً، مرجعه الخوف من الانكشاف وافتضاح الاضطراب النفسي والشعور بالنقص تجاه الإبداع الحقيقي، والعجز الفعلي أمام الثقافة ومن يمثّلها من جهة، وعدم الانسجام والاكتمال والتوازن الداخلي، وغياب الثقة بالنفس من جهة أخرى.
لكن المعضلة أن أشكال النفاق والمدائح والألقاب الزائفة جميعاً لا تستطيع أن تزيل قلق أولئك الذين ربطوا مصائرهم بأرجل كراسيهم، إذ تبقى كياناتهم المهزوزة أسيرة التغيرات المفاجئة، التي لاتفيد فيها الحلول التعويضية والاحتماء بالمنافقين، المخادعين، الذين سرعان ما يبدلون كتاباتهم و(تحليلاتهم) ومواقفهم، لتنسجم بسرعة قصوى مع الجالسين الجدد على الكراسي ذاتها!
(*) المقالة مأخوذة من كتاب: (الخرافة ووأد العقلانية) الصادر عن دار التكوين عام 2008.