بين الفراغ والعزلة
أحياناً تكون الحقيقة جارحة، ولكنها في الوقت ذاته، تكون مفيدة للغاية عندما تعالج الأمور المعقدة، والصعبة التي تطرحها بمنطقية ورؤية تستبصر الأشياء بعمق وروية. ثم تقوم بطرح البدائل الأكثر واقعية وجدية بالمقاربة المنطقية. ففي وقتنا الراهن، هناك السؤال الأكثر إشكالية الذي يبدو في الوسط الثقافي، وعبر ساحة ثقافية شاسعة المساحة والمسافة بين المغرب الاطلسي والمشرق المتوسطي. السؤال الذي يطرح نفسه بقوة عبر ظروفنا الراهنة التي نعيشها، والملابسات التي تحيط بنا، ومن حولنا: لماذا يشكل الواقع الثقافي الراهن المناخ الأسوأ في تاريخ الحركة الثقافية العربية قديماً وحديثاً؟! ولماذا أصبح مفهوم الثقافة يعني سلباً للمسمى الذي حافظ على شفافيته وبريقه عقوداً من الأجيال المتعاقبة!؟ ولماذا تزداد الهوة اتساعاً بين المثقفين، ووحدانية الذات، ويكمل المبدع طوق عزلته حوله، فإذا به داخل حجم هائل من الفراغ والوحشة قد يصلان بصاحبهما في تلك القوقعة المعتمة المغلقة إلى درجة الزوال والغياب؟ ربما أشياء كثيرة تتدخل للإجابة عن السؤال الإشكالي القائم: منها ما هو واقعي ملموس، ومنها ما هو محيط وقائم حول تلك الشخصية الثقافية. والأكثر إيلاماً من الإجابات يقع على عاتق المثقفين أنفسهم عندما يقعون تحت سطوة إعلام دعائي صاخب، يرفع من يشاء إلى درجة القدسية الخارقة، ويضع من يشاء في المراتب الدنيا، ويقتنع أولئك بأنهم الهوامش والعموم.
علماً أن الحقبة الثقافية لا تنتج مبدعاً واحداً، ولا نجماً متفرداً للأبد، بل هناك أصوات فذة رائعة بمساحة النجم والمبدع الأوحد، ولكننا نحن من نكرس فكرة النجم المفرد، والنجومية المستفردة بذاتها والهالة الإعلامية المكرسة لها، فإذا بالمبدع الحقيقي يرى نفسه خلف ما تمنى، وأبدع، وصار يقنع هواجسه القاتلة والقاتمة بأن الساحة الشاسعة للمبدعين قاطبة لا تستوعب إلا حصاناً واحداً، وصهيلاً واحداً، وخيّالاً واحداً يقود عربات الجميع حيث يشاء وهم صامتون.. غائبون.. يتفرجون.. ببلاهة المشدوهين بغرابة المشهد! وفرادة الخيال!
أمر آخر قاد إلى الفراغ وعزلة المبدع: عصر الثورة المذهل، الذي قضى على لقاءات الثقافة والمثقفين، وخواء المراكز الثقافية من أمسياتها الرائعة، تلك التي كانت في فترة الستينيات تشكل الفترة الذهبية لها، وخواء فكري لدى غالبية من يكتبون، ولا يملكون غراماً واحداً من فيوض الإبداع. وأما ما يخص الروابط الثقافية ومنتدياتها وتجمعاتها فهي استهلاكيات متبادلة بين الأقطار موقوفة لفئة واحدة من الناس لا تتبدل ولا تتغير، وستظل محسوبة أبداً على فئات المبدعين الرائعين الذين ركنوا إلى الظل والغياب، على أن يطرحوا أنفسهم في (سوبر ماركت) ثقافي استهلاكي غدا المتنفس لمن هب ودب في جوقة المغنين.