أبطال الملاعب
سأحكي لكم حكاية بريئة، ويمكن أن تتأكدوا من براءتها بعد قراءتها، وإذا وجدتموها غير ذلك فالمشكلة في نواياكم…
كان يا ما كان في قديم الزمان، كان هناك مجموعة من الطالبات يعشن في سبات ونبات، ولا يشتكين من اللغة ولا من الرياضيات، كانت الشكوى من حصة الرياضة! لا داعي للدهشة، فأنا كنت من هؤلاء الطالبات، وبإمكاني أن أفسر لكم المسألة: المشكلة الأولى أن مدرستنا كانت صغيرة جداً، وهي عبارة عن بيت عربي مكون من بضع غرف متداخلة، نوافذها تطل على الجيران، بحيث أننا كنا نشم روائح الطبخ الآتية من عندهم، بل كان بإمكان قطتهم أن تقفز أحياناً الى داخل الصف، فتراقبنا لدقائق، قبل أن تمضي معبرة عن مللها… أما الباحة فهي فناء عرضه متران وطوله حوالي عشرين متراً، وله سور واطئ يتيح لنا التحرش بالمارة في الشارع، وفوق ذلك كانت هناك ساقية ماء صغيرة متفرعة عن (المرحوم بردى) تجري ضمن الباحة، وكثيراً ما سقطت بعض أغراضنا فيها لتجرفها المياه سريعاً بينما نحن جالسات نتأملها. ولكم بعد هذا الوصف أن تتخيلوا كيف يمكن ممارسة الرياضة هناك، وهنا تكمن المشكلة الثانية، وهي أن يقتنع أهلنا بحاجتنا إلى شراء ثياب رياضية، وهو ما كانت تصر عليه معلمة الرياضة، كان المطلوب ارتداء سروال أسود وكنزة بيضاء مع حذاء رياضي، فكنا نعمل على تدبير شيء شبيه بهذا، ونحملها معنا في كيس الى المدرسة، وعندما تحين حصة الرياضة، يبدأ الهرج في الصف، فليس من السهل أن تبدل ثلاثين طالبة ملابسهن هناك، وأسوأ ما في الأمر هو رائحة الجوارب التي تنتشر عند تبديل الأحذية، وتبقى عالقة في جو الصف حتى موعد الحصة التالية، فترى القرف على وجه المعلمة التي تأتي لإعطاء الدرس، إذ تصيح فور دخولها: افتحوا النوافذ… ما هذه الروائح ؟ أهي حظيرة بقر أم صف! ولكن ارتداءنا للملابس الرياضية لا يعني بالضرورة أن نمارس الرياضة، فربما كان الجو ماطراً، عندئذ نجلس في الصف مجبرات على ممارسة الصمت الرهيب، وفي بعض الأحوال كانت المعلمة تخرجنا الى الباحة وتنظمنا في أرتال ثم تطلب منا أن نقلدها في تحريك أذرعنا مع مراعاة عدم الاصطدام بزميلاتنا ثم تجعلنا نهتف بلهجة رياضية: رياضة… شباب…
المهم بقي الوضع هكذا حتى طلعت علينا معلمة الرياضة بقصة مفاجئة، وهي أن هناك بطولة رياضية للمدارس وسنشارك فيها، ولا أدري لم قررت أننا سنشترك بمباراة سلة، وهوب… سرعان ما انتقت أطول الطالبات في الصف وكوّنت فريقاً، ثم بدأت بتدريبنا بعد انتهاء الدوام المدرسي، وما أدراكم ما التدريب! تحولت الباحة ببعض الخطوط المرسومة بالطباشير الملونة الى ملعب، وعوضاً عن السلة المفترضة، رسمت الآنسة دائرة على الجدار، ثم علمتنا بعض أصول اللعبة، وطريقة القفز نحو السلة ورمي الكرة فيها، والواقع أن الكرة كثيراً ما كانت ترتد عن الحائط وتطير نحو الشارع فنركض لإحضارها قبل أن تدهسها سيارة عابرة…
وعندما اقترب موعد المباراة، أنذرتنا المعلمة أننا سنلعب المباراة بثياب رياضية خاصة غير التي عندنا،ثم شددت على موضوع الأحذية، إذ طلبت إحضار أحذية رياضية حقيقية عوضاً عن تلك التي نلبسها والتي تشبه علب السردين برائحتها وبالقرقعة التي تصدرها أثناء الركض – هذا رأيها في أحذيتنا التي عملنا أزمة في البيت حتى اقتنع أهلنا بشرائها – وهنا تكمن المأساة، فكيف سنجرؤ على طلب المستحيل منهم، خصوصاً أن عينهم كانت حمراء أصلاً من قصة المباراة كلها، ولاسيما تأخرنا في العودة للبيت من أجل التدريب، بل إن جدتي العجوز التي كانت تقيم عندنا والتي كان سمعها الضعيف يمنعها من فهم أغلب ما يجري حولها، لم تكن تتأخر عن إبداء رأيها في الموضوع قائلة (بنات هذا الجيل طلقوا الحيا).
بعد المحاولة الأولى معهم أفهموني أنهم لن يشتروا لي ثياباً جديدة حتى (يطلع الكرّ عالجوزة) ، بل نصحوني أن أنسحب من الفريق، لكن أفهمتهم أن الانسحاب في آخر لحظة هو عيب ، وقد يؤدي إلى هزيمة مريرة لمدرستنا، ثم إن هذه المهمة هي أمانة في أعناقنا، وشرف تمثيل المدرسة يأبى علي التخلي عنها، وكلام من هذا القبيل الذي كنت في الواقع مقتنعة به في أعماقي، بل لا أخفي أنني اهتممت بموضوع الملابس لأني كنت أحلم بأن يقطعوا برامج التلفزيون الاعتيادية لعرض مباراتنا التاريخية! رغم ذلك فجوابهم كان (دبري رأسك)، ورحت أدبر رأسي بأن استعرت قطعة ثياب من هنا وقطعة من هناك، ثم عملت (فزعة) بحسب التعبير الحلبي، وعلى إثرها جمعت من إخوتي الكبار مبلغاً من المال اشتريت به حذاءً جديداً.
يوم المباراة، كنت وزميلاتي على أتم استعداد، وسرنا في الشارع مختالات بمظهرنا أمام الناس، ولكي يعرفوا أننا متوجهات لخوض مباراة العمر، رحنا نهتف: (كول كول بدنا كول يهز الملعب عرض وطول)، أما حين دخولنا الملعب، فقد شعرنا فوراً بالضياع، فهو مختلف تماماً عن ساحة تدريبنا، لم نعرف الشرق من الغرب، وبينما نحن في حيرتنا دوت الصافرة وبدأت المباراة، وبصراحة فأنا لا أرغب بذكر تفاصيل ما حدث، وإنما أقول فقط أنه لم يتح لنا لمس الكرة إلا نادراً وحين كنا نعمل تمريرات كانت تأتي خاطئة، أما إذا نجحنا في الوصول قرب السلة فقد كان التسديد يخطئ بنسبة مئة بالمئة… المهم كانت النتيجة 24 / 0 ليس لصالحنا طبعاً، وليس هذا مهماً، المهم هو اللعب الجميل – كما كان يقول أحد معلقينا الرياضيين عقب كل نتيجة مماثلة – والمهم أكثر هو أننا عدنا الى بيوتنا متأخرات جداً لأننا انتظرنا باص النقل الداخلي، وهناك رأى أهلي النتيجة على جبيني، فما اهتم أحد بالتعليق سوى جدتي التي قالت: (يا شحاري… لو ذهبت أنا ولعبت بدلاً منكن لاستطعت الحصول على هذا الصفر، وبدون الحاجة الى صرماية جديدة) أما زميلاتنا الحاسدات في المدرسة، فلا أدري ممن عرفن النتيجة، فرحن يغنين: (دقوا عالخشب… دقوا عالخشب… زقفة وزلغوطة يا حبايب للمنتخب).