التقشف!

لم ينمْ أبو شادي في تلك الليلة، حينما قرأ على شريط الأخبار دعوة وزير المالية المواطنين للتقشف وشد الأحزمة… ولم ينتظر قدوم الصباح كي يسأل ابنه الذي تخرَّج في كلية الاقتصاد حديثاً، بل اتَّصل به على الفور وسأله عن معنى كلمة (التقشّف).

استجاب شادي.. وترك عشاءه ولفّ جسمه بالبطانية وتعالت ضحكة سَكْرى، وقال بصوت شجيّ حنون: (أنا الآن يا أبي في وضع تقشفي.. ألفّ جسمي النحيل ببطانية رقيقة من المعونات التي حصلنا عليها بعد تهجيرنا..!).

كان الوالد ينتظر بفرح وصبر، والعرق يتصبب على وجهه، وهو يسمع العبارة المرادفة لمعنى التقشف ويرددها في نفسه، فانشرح صدره وتدفقت موجة فرح دافئة وتلعثم لسانه وهو يردد: (ابتع يا والدي حزاماً جلدياً وراقب خصرك كل صباح.. فإذا بدأ يضيق فمعنى ذلك أنك تطبّق وصية السيد الوزير وتنفذها بحذافيرها..!). 

أصبح أبو شادي خبيراً في تفسير مصطلح (التقشف). وبدأ يشرح لأصدقائه ما قرأه في المعاجم، فهو يحب المطالعة وعنده طموح لكشف أسرار المعاني ودلالة الكلمات التي تكون غريبة على فهم بعض من هم في عمره.

قال في إحدى جلسات المساء لثلّة من المتقاعدين: التقشف يعني التقتير على النفس، والاكتفاء بما هو ضروري، والانصراف عن الملذات والتنعّم. وتلجأ الحكومة إلى التقشف عندما تكون في أزمة مالية واقتصادية فتخفض من النفقات العامة لتسديد الديون مثلاً، أو أن الاقتصاد يمرّ في أزمة، ويتعرض للخراب بسبب انحباس الأمطار والجفاف المتكرر، أو من الحصار الدولي ومن حدوث الكوارث الطبيعية والحروب.

التقشف اسم له معنى مجازي في الأدب الاقتصادي باللغة العربية، ويعني (العيش الكفيف). وفي اللغة الإنكليزية يعني (سياسات اقتصادية شحيحة). وعلى سبيل المثال، بعض الدول النامية التي لا تملك موارد مالية كبيرة وتعدُّ من الدول الفقيرة، تلجأ إلى خفض دعم السلع الأساسية أو إلغائه، وخفض الإنفاق العام، وإلغاء بعض المشاريع التنموية. أما في الدول المتطورة فيمكن لمؤسسات المجتمع المدني أن تقدم للحكومة الدعم المالي للتخفيف من الآثار السلبية  على المواطنين.

بدأ أبو شادي ينفذ سياسة التقشف ولا يريد أن تغضب الحكومة عليه، أو يطوّل لسانه ويكثر من الانتقادات وتعداد عشرات السلبيات، فهو (يعرف البير وغطاه).

ونفَّذ الرجل بدقة طلب ابنه شادي واشترى حزاماً جلدياً بوجهين صالحين للاستعمال. وبدأ يمارس سياسة التقتير والتوفير وشد الحزام على بطنه.. واستخدم رياضة المشي بدلاً من ركوب السرافيس.. ووضع ميزانية للأسرة أطلق عليها اسم (ميزانية التقنين والتقتير والتقشف). ولم يستخدم المدفأة أبداً، وعندما تأتي الكهرباء يكتفي بإضاءة نيون واحد فقط. وألغى كيّ الثياب ونبَّه أم شادي إلى تخفيض استخدام المنظفات إلى النصف، واستعمال (زيت المعونة) بدلاً من زيت الزيتون، وشراء الخبز من الفرن بدلاً من شرائه من التجار الصغار والبسطات في الشوارع… والقائمة تطول.. وتطول.. ولم يقتنع بأنَّ سياسة التقشف والتقتير يجب أن تطبّق على الأحلام أيضاً.. وعلى المواطن أن يشدّ الأحزمة على خصور أحلامه، لتحجيم تأملاته وتقليص مساحتها ويجعلها مثل العين الساحرة.. فخبَّأ لسانه وفقدَ بصره وسمعه..!

العدد 1195 - 23/04/2026