تخفيض الجمارك على الألبسة المستوردة.. يضبط التهريب أم يقضي على صناعتنا المتبقية..؟!

تعلن الحكومة عن دعمها المستمر للصناعة الوطنية وتشجيعها لعودة عجلة الإنتاج إلى الدوران، وقد أصدرت الأسبوع الماضي قراراً بتخفيض الرسوم الجمركية على الألبسة المستوردة من 80  إلى 30%، على أن يتم العمل به بداية العام القادم، وذلك عوضاً عن دعم قطاع صناعة الألبسة الذي يعدُّ من أهم القطاعات الصناعية ويشغل عدداً كبيراً من اليد العاملة، إضافة لرفده خزينة الدولة بالقطع الأجنبي نتيجة الصادرات.

قرار تأمل منه الجهات المعنية تخفيض الفساد والعراقيل البيروقراطية، إضافة لتخفيض معدل التهرب الضريبي من قبل المستوردين، وهو ما عزاه وزير الاقتصاد والتجارة الخارجية إلى توحيد الزمر الجمركية بتعرفة واحدة والحد من التهريب وزيادة إيرادات الخزينة، أما مدير عام الجمارك فقد بين أنَّ معظم الألبسة المنتشرة في الأسواق دخلت عن طريق التهريب أو عبر بنود جمركية مخالفة، مبيناً عدم تنظيم أي بيان جمركي لاستيراد الألبسة خلال الأشهر الثلاثة الأخيرة.

وبغض النظر عن الأسباب فإن القرار سيشكل مشكلة كبيرة أمام ما تبقى من صناعة نسيجية في سورية، خاصة أنه جاء خلال فترة عصيبة تمر بها صناعتنا الوطنية في مرحلة إعادة دوران عجلة إنتاجها وما تواجهه من معوقات وتحديات جمة، الأمر الذي أثار استياء مصنعي الألبسة إذ أكد الكثير منهم أن القرار قد يؤدي لتحولهم إلى الاستيراد بدل التصنيع، ورأوا فيه إحياء للسياسات النيوليبرالية التي طبقت خلال العقد الماضي وكبدت صناعتنا الوطنية خسائر كبيرة، فأغرقت أسواقنا ببضائع من جميع أنحاء العالم ومعظمها كان (استوكات) أو تصافي، ولم يبق للصناعي حينها فرصة للمنافسة بأي شكل من الأشكال مع المستوردات التي تدخل البلد.

لم ينحصر أثر هذه السياسات على أسواقنا المحلية بل انعكس أيضاً على صادراتنا، فتراجعت في تشرين الثاني 2008 من 5.14 ملايين دولار إلى 2.4 مليون دولار، وكذلك انخفضت مبيعات الغزول داخلياً وخارجياً بنسبة 50%،كما تبين الإحصائيات أيضاً أن 70% من معامل الألبسة الجاهزة توقفت عن العمل خلال عامي 2008-2009 في حلب ودمشق، في حين قامت العديد من المعامل بتخفيض إنتاجها إلى أقل من 10% من طاقاتها الإنتاجية، خاصة بعد دخول اتفاقية التجارة الحرة مع تركيا حيز التنفيذ في 2007 التي كانت فيها تركيا هي المستفيد الأكبر فهي تصدر لها سورية 5% فقط من إجمالي صادراتها أي 570 مليون دولار أمريكي، وتستورد منها 10% من إجمالي مستورداتها أي 1673 مليون دولار أمريكي، وذلك حسب إحصائيات 2010 أما إذا نظرنا للإحصائيات التركية بشأن التبادل التجاري السوري التركي لعام 2011 فنجد أن المستوردات السورية من تركيا وصلت حتى نهاية الربع الثالث من 2011 إلى 1307 ملايين دولار بنسبة نمو 3.7%، في حين وصلت قيمة الصادرات السورية إلى تركيا إلى 465 مليون دولار بنسبة عجز مقدارها 19% لمصلحة الجانب السوري.

فمعاناة قطاع النسيج كانت موجودة قبل الأزمة، وواجه الكثير من الصعوبات جراء الاستيراد غير المنظم، الفساد الجمركي، ارتفاع تكاليف مدخلات الإنتاج، إضافة لضعف القوة الشرائية، وعدم انسجام واتزان القوانين الصادرة عن الوزارات، وأخيراً عدم تطبيق المراسيم الداعمة للصناعة بشكل كلي كمرسوم دعم الصادرات ومرسوم مكافحة الإغراق.

وبعد عشر سنوات من تهميش الصناعة الوطنية بالسياسات الانفتاحية التحريرية ها نحن اليوم نعيد تلك السياسات ونشرع أبواب أسواقنا أمام المنتجات الخارجية على حساب صناعتنا الوطنية، عوضاً عن وضع سياسات حمائية للمنتج الوطني والارتقاء بمواصفاته ليكون منافساً في الداخل والخارج، وإزالة  المعوقات التي تواجه الصناعة المحلية ومنها تخفيض تكاليف مدخلات الإنتاج الصناعي وأهمها حوامل الطاقة، فعلى الحكومة أن توفر للصناعة  العناصر المتوافرة للمنتج المستورد من دعم وتسهيلات وغيره قبل مطالبته بالمنافسة.

إضافة إلى تخفيض الجمارك على استيراد مستلزمات الإنتاج والمواد الأولية التي تخلق قيمة مضافة لبضائعنا، كذلك تخفيض أسعار الغزل من أجل المنافسة، إضافة للمواد التي تسهم في تطوير صناعتنا، ورفع الجمارك على استيراد البضائع التي يوجد لها مشابه وطني.

وفيما يتعلق بالتهريب فهو يتوقف عندما يكون المنتج الوطني منافساً للأجنبي بالسعر والجودة، فعملية العرض والطلب اليوم محكومة بالسعر أولاً وبعد ذلك الجودة لإنعدام القدرة الشرائية لدى المواطن السوري تقريباً، وللحد من التهريب يجب أن نضبط منافذ البيع بدقة حتى لا يجد المهرب قنوات داخلية لبيع ما يهربه.

وفي الختام إذا كان هدف رفع التعرفة الجمركية منع التهريب بحسب التصريحات، فكيف السبيل إلى ذلك؟ إذ أن الجهات المعنية لم تستطع منعه أوقات السلام فكيف الحال ونحن في زمن حرب..؟! أم أنها خطوة لإعادة إحياء السياسات الاقتصادية التي كان لها دور رئيسي في إطلاق الحراك الشعبي الذي ركبت أطراف كثيرة موجته، ونعيش تبعات ذلك اليوم..؟!

العدد 1194 - 15/04/2026