نظرات في «رسائل متبادلة بين الشيخ إبراهيم اليازجي وقسطاكي الحمصي»

الأب الدكتور كميل حشيمة، اليسوعي، دؤوب في التأليف والتصنيف، بالغ بل مبالغ في الدقة. في مقدمة الرسائل التي أعرّف بها دراسة مطولة ومشوقة للعلاقة بين اليازجي الشهير وبين الأديب الحلبي قسطاكي الحمصي، وبينهما فارق عمره 11 عاماً لصالح اليازجي بالطبع.

ولد اليازجي عام 1847 والحمصي عام .1858. تمتد الرسائل المتبادلة بين عامي 1883 و1906 وهو عام وفاة اليازجي. والرسائل مفرطة في الفصاحة وفي التهذيب على ما تبينه المقدمة، وقد عني الأب حشيمة بتزيينها بحواش وهوامش توضح ما قد يغمض من تعابيرها ومن ظروف كتابتها.

كان اليازجي صاحب مجلتي (البيان) و(الضياء)، على التوالي، وفضاؤهما بلاد الشام ومصر. أما الحمصي فكان، إلى جانب أنه أديب، تاجراً في رغد من العيش. اليازجي مقيم في بيروت، أي في المركز. أما الحمصي فمقيم في حلب التي هي أقل مركزية رغم تألقها. يُصَدِّر المركز المجلة، البيان ثم الضياء، من بيروت إلى حلب. يبدو من الرسائل أن الحمصي اختار لنفسه عملاً يشبه أن يكون مندوباً للمجلة في حلب، يوّسع نطاق مشتركيها، ويتابع أمورها المالية والإدارية، وبضمن ذلك تأمين وصولها عبر (الحواجز)، وهي حواجز الرقابة حتماً، وربما أيضاً حواجز من طبيعة أخرى. كذلك يبدو من الرسائل اهتمام الأديب الحلبي بنشر نتاجه في مجلة بيروتية كانت في زمانها واسعة الانتشار ظاهرة القيمة.

تَرِدُ في رسالة مؤرخة يوم 3 حزيران 1901 عبارة وقفت عندها، ذات دلالة في التعامل المادي بين اليازجي والحمصي، يتضح منها كرم تعامل الأديب الميسور مع صاحب مجلة مهتم دائماً بما يصلح حال مجلته:

(ما تفضلت به من الحوالة بمبلغ مئتي فرنك من قيم اشتراكات الضياء وصل، وما كنت أود أن تتفضل به قبل قبضه، ولكن كذا اقتضت مكارمك) ص62.

أمر آخر في العلاقة بين الأديب الحلبي وصاحب مجلة بيروتية. يرغب الأول أن ينشر ما يفيض عن حاجة المجلة إلى نتاجه، أو من قدرتها على الاستيعاب، على نحو ما يرى الثاني. تلك مسألة أزلية بين الكاتب والناشر. الكاتب يتوسع والناشر يختصر. إلا أن لأسلوب اعتذار الناشر ميزته. كيف كان البيروتي يعبر للحلبي عن اعتذاره؟ فلنقرأ:

(وأما موشحكم البديع فهو طويل، ياعم، حتى يستغرق 18 صفحة من صفحات الضياء أي أكثر من نصف جزء. ولو علمت أن نصف المشتركين، بل ربعهم، يعرفون قيمته لمننت عليهم به. ومع ذلك فإني ضناً به لا بد لي من نشره، لكن أستأذن من حضرتكم أن أرجئه إلى آخر جزء من السنة فأجعله مسك ختامها) ص72.

هل فعل؟ تجيب حاشية الأب كميل: وبالفعل نشره اليازجي.

أمر يرد في الخاطر: هل ثمة علاقة بين كرم تعامل الميسور مع الناشر، وبين حماسة الناشر لنشر ما يرده من الميسور؟ كل منا حر في الإجابة على نحو ما يشاء. ويبقى الأديب الحلبي كبيرًا في كل حال.

في الكتاب القيم، وهو على درجة متقدمة من الأهمية في رسم صورة المناخ الثقافي السائد أواخر القرن التاسع وأوائل القرن العشرين في مدينتي إشعاع ثقافي هما بيروت وحلب، في الكتاب ملمحان وقفت عندهما ملياً، إذ هما في السياسة.

كأن الأديب الحلبي، المشبع بروح النهضة العربية، أَحَبَّ من الناشر البيروتي أن يعتمد التسميات العربية للأشهر. أجابه اليازجي: (أما سؤالكم عن تسمية الأشهر بالأسماء الإفرنجية فقد كان هذا اختيار العم زلزل حين شرعنا في نشر البيان وكرهت بعد ذلك أن أعدل عنه. على أن الدهر اليوم إفرنجي، فلا بأس) ص 66. هكذا بدا الحلبي ناصحاً (قومياً) للبيروتي صاحب: (تنبهوا واستفيقوا أيها العرب). هنا مكان انقطة استطراد.العم زلزل هو الدكتور بشارة زلزل، وكان شريك اليازجي في تأسيس المجلة، ثم هجرها وهجره إثر اختلاف. كان لشخص من آل زلزل دوره في موضوع إعدام شهداء 6 أيار. هل هما شخص واحد أم اثنان؟ بإمكاني أن أنقب باذلاً من الوقت ما يجب. لن أفعل. سوف أرسل هذه الأسطر إلى الأب كميل وأرجو أن يتكرم فيجيب. ليس من المستحب ذهابك إلى النبع البعيد إذا كان ثمة نبع قريب منك.

أما الملمح الثاني فيختص بالرقابة على المنتج الثقافي، ومناسبته وفاة المصلح الاجتماعي- الديني الشيخ محمد عبده عام 1905. في رسالة من اليازجي بتاريخ 16 آب 1905 نقرأ:

(عرفتم بما فعله مراقبكم الحازم من منع دخول الجزء التاسع عشر من الضياء إلى حلب والسبب…. هو ما جاء في الجزء المذكور من تأبين المرحوم الشيخ محمد عبده….. على أن الأمر في بيروت لم يتجاوز حد التنبه إلى ما ورد في خاتمة التأبين من الوعد بذِكر أعمال الشيخ، مما ظنوا أنه سيتضمن ما يمس سياسة دولتنا. وأما الجزء نفسه، فلم يُذكر فيه سوى ترجمة الشيخ، ولذلك لم يُمنع توزيعه في بيروت، كما لم يُمنع دخوله سائر البلدان التي يُرسَل إليها من المملكة العثمانية، ما خلا مدينتَكم المَحميِّة، مما دلَّ على أن المراقِب عندكم أشدُّ خُدّام الدولة غَيرةً على مصلحتها. أكثرَ الله من أمثاله في أنصارها!…. والآن، وقد رجعت الأجزاء إلى هنا، فإنني أنتظر رأيكم في أمرها: بين أن تراجعوا المراقب وتقنعوه بأنها خالية من كل خطر على سلامة ملك آل عثمان، أو تستحسنوا أن نرجئ إرسالها…).

هكذا إذن نرى كيف تفاوتت نظرة مراقبَي مطبوعات عثمانيين إلى المجلة في تغطيتها نبأ وفاة الشيخ المصري المصلح. ولعل في ذلك مغزى خاصاً: المراقب في بيروت أرحب منه في حلب. بهذه الملاحظة التي بها أختم أبدو وكأنني أقول: من المرجح أن الرقابة تتضاءل كلما ازدهرت الثقافة.

العدد 1194 - 15/04/2026