أما آن لمفهوم «التكية» في القطاع العام أن ينتهي..؟
تأسس القطاع العام بهدف بسط سيطرة الدولة على موارد البلد من أجل إعادة توزيع الثروات والموارد وعوائد إنتاجها على أبناء الشعب، والأهم بناء سورية مستقلة اقتصادياً يدعمها في ذلك غناها بمعظم الموارد التي يمكن أن ترفد هذا القطاع بكل احتياجاته، على اعتبار أن الاستقلال الاقتصادي يُعزز الاستقلال السياسي.
غير أن هذا القطاع الذي كان رائداً في تلبية احتياجات الوطن والمواطن، قد لاقى فيما بعد إهمالاً متعمّداً ومدروساً من أجل فسح المجال رحباً أمام سيطرة القطاع الخاص من جهة، وتلبية لمطالب وشروط الهيئات الدولية الرامية إلى تقييد الاقتصاد السوري بعجلة الاقتصاد العالمي من جهة أخرى.
وقد ظهر هذا النهج جليّاً في ممارسات معظم الحكومات لاسيما السابقة للأزمة التي ما زلنا نُعاني كوارثها وويلاتها منذ ما يُقارب أربع سنوات، فقد كانت هذه الممارسات أحد أهم الأسباب التي ساهمت في نشوب تلك الأزمة، إذ اتسعت رقعة الفقر والبطالة مما أدى إلى تلاشي الطبقة الوسطى- الحامل الأساسي لكل تطور وتغيير وتقدم في المجتمع، إضافة إلى تنامي ظواهر المحسوبيات والوساطة والفساد بكل ألوانه وأطيافه وطغيانها في الدولة والمجتمع على حدّ سواء، فكانت سبباً رئيسياً في أن طفيليين لا مؤهلات علمية أو فنية لديهم، ولا حاجة لهم، تولوا مفاصل مهمة في قطاعات الدولة ودوائرها كافة، في الوقت الذي كان يُعاني فيه الشباب عموماً وخريجو الجامعات خصوصاً من بطالة حطّمت كل أحلامهم وآمالهم في بناء مستقبلهم مما دفعهم إما إلى الهجرة أو إلى سلوك طرق أدت بهم وبالمجتمع إلى الخراب.
لكن، ورغم كل ما جرى ويجري اليوم، ورغم كل الاقتراحات والدراسات التي قدّمها خبراء ومختصون، وكل المناشدات التي أطلقتها أحزاب ومنظمات معنية بالأمر، والمؤتمرات التي عُقدت لدراسة واقع القطاع العام وما توصلت إليه من توصيات ومطالبات تسعى للنهوض بواقع هذا القطاع بكل فروعه واتجاهاته، لم تحقق الاستجابة المطلوبة من قبل الحكومات، لغاية في نفس يعقوب، كما لم تتغير النظرة إلى هذا القطاع على أنه أولاً (باب رزق) فقط، وما علينا سوى الاستفادة منه قدر المستطاع، إضافة إلى اعتباره (تكيّة) بكل ما تحمله هذه الكلمة من معنى، أي أنه من أجل منفعة واستفادة أُناس بلا مؤهلات غالباً وممن لديهم وساطات أو محسوبيات هنا وهناك، وبهذا كان التعيين أو التوظيف يعتمد على مدى قوة الداعمين ونفوذهم، لا على أساس الحاجة الفعلية إليهم في أماكن العمل، وبالتالي صار هناك جيشٌ كبيرٌ من موظفين طفيليين عالة على القطاع العام بدل أن يكونوا رافدين له بخبراتهم ومؤهلاتهم الفنية أو العلمية، وسادت ظاهرت البطالة المُقنّعة المحمية بقانون العاملين الأساسي بما يمنحه لأولئك العاملين من حقوق بغض النظر عن الحاجة لهم أو مدى فاعلية حضورهم ومؤهلاتهم. والغريب في الأمر أن أولئك الطفيليين هم أكثر من يطالب بزيادة الرواتب أو التعويضات الأخرى من ترفيعات وحوافز إنتاجية وسواها رغم أنه يدركون في قرارة أنفسهم أنهم لا يعملون بقيمة ما يتقاضون من رواتب، غير أنهم متمسكون بما يعتبرونه حقاً أقره القانون، يُساعدهم في ذلك المسؤولون عن هذا القطاع من مديرين وغيرهم، معتبرين أن الذنب ليس ذنب العامل العاطل عن العمل، بل لأنه ليس هناك عمل يُسند إليه، إضافة إلى أنه علينا -كما يقول أولئك المسؤولون- أن نساعدهم مادياً. وهنا يتساوى العامل الطفيلي مع العامل المنتج دون أيّة إشارة أو تكريم لجهده وعمله.
لقد جاءت جميع التعويضات من ترفيعات دورية، أو حوافز إنتاجية وإضافي ومكافآت وسواها في قانون العاملين الأساسي على أساس الإنتاج الفعلي للعامل، غير أنها في قطاعنا العام بمختلف وزاراته ومؤسساته وقطاعاته تأتي خلافاً لجميع القوانين سوى قانون (التكية) المعتمد، وقانون المحسوبيات والنفوذ المشبوه في كثير من الحالات، وبذا انتفت العدالة كما انتفى الهدف الأساسي من هذه التعويضات والقائم على تحفيز جهود العاملين من أجل تحسين سوية الأداء والإنتاج، إضافة إلى تكريم العاملين المجدين الذين يتفانون في تقديم خدماتهم وخبراتهم في العمل.
كما صدر العديد من القرارات والتعاميم الوزارية بشأن تحديد أولويات العمل أثناء الإعداد للترفيعات الدورية، قائمة مثلاً على أساس الحضور والأداء الفعلي للعامل، إضافة إلى ما يقدمه من مهارات تؤهله لنيل العلامات المخصصة لهذا الجانب، لكن الواقع الحالي في جميع قطاعات الدولة ودوائرها غير ذلك، إذ يتساوى جميع عمال الفئة الواحدة في عدد النقاط بغض النظر عن أدائهم وحضورهم الفعلي والحقيقي، وهذا ما يترك لدى البعض من العمال النشطين غصة في القلب، وربما تلكؤً في الأداء نتيجة ما يشعرون به من ظلم وغياب للعدالة بدل أن يتم تكريمهم وتحفيزهم من خلال إعطائهم علامات ونقاطً مميّزة عن أولئك العمال الطفيليين، وهذا الوضع طبعاً ينطبق على الحوافز الإنتاجية والإضافي والمكافآت وغيرها اعتماداً على نظرية المديرين والمسؤولين في مساعدة البعض و(تنفيعهم..!!) مادياً، وهذا لا يمكن أن نجده سوى في القطاع العام باعتباره قطاعاً أبوياً بمفهوم الاتكالية والنهب والشفط. وهذا ما سيُبقي قطاعنا الأبوي (بمفهوم الرعاية والاحتواء والتقدير) في خطر مادام نهبه وسرقته قائماً بتلك الطريقة، ومادامت النظرة موجود التي ستُفرغه من مضمونه أولاً، ومن ثم ستُفرغ خزانة الدولة من روافد وموارد تساعده على الاستمرار في رعايته وعطائه ثانياً.
فمتى ستتغير تلك الذهنية في التعاطي مع هذا القطاع الذي احتوى فقراء المجتمع لينهض بهم كي ينهضوا به نحو التطور والتقدم من أجل الارتقاء بالاقتصاد الوطني كما الارتقاء بالمجتمع عموماً..؟ أما آن الأوان يا أصحاب القرار والمسؤولين فعلياً عن هذا القطاع أن تنهضوا به كما نهض بكم ووضعكم في مناصب أهّلتكم لقيادته، فلتكن قيادتكم راقية، حضارية وعادلة!