اقتصاد المجابهة (*)
في ظل هيمنة القطب الواحد على العالم، لم تعد عملية إعادة رسم خريطة البلاد تتم في غرف مغلقة وفي أجواء محاطة بالسرية والتكتم كما كان الحال في الماضي.
أثناء الحرب العالمية الأولى جرت مفاوضات سرية في غرف مغلقة بين بريطانيا وفرنسا لاقتسام تركة الرجل المريض (الدولة العثمانية) في المشرق العربي، أسفرت هذه المفاوضات عن اتفاقية سايكس بيكو، توزعت بموجبها غنائم الحرب بين بريطانيا وفرنسا، فكان نصيب الأولى فلسطين وشرق الأردن والعراق، واقتصرت حصة الثانية على سورية ولبنان، وظلت هذه الاتفاقية طي الكتمان حتى قامت ثورة أكتوبر الاشتراكية فأماطت عنها اللثام.
اليوم تجاهر الإدارة الأمريكية بعزمها على إعادة تقسيم المنطقة العربية، بذريعة الديمقراطية وحقوق الإنسان، لم تعد الإدارة الأمريكية اليوم بحاجة إلى السرية، والتكتم، فليس هناك من ينافسها أو تخشاه، ولتحقيق أغراضها تستخدم الإدارة الأمريكية مختلف السبل بدءاً من الضغوط السياسية والحصار الاقتصادي، وانتهاء بالغزو العسكري والحرب الأهلية.
تأتي الضغوط الأمريكية السياسية على سورية والتهديد بالحصار الاقتصادي في هذا السياق، ولن تكف الإدارة الأمريكية عن ضغوطها حتى تحقق أغراضها في إعادة تقسيم المنطقة أو أن تجبر على التراجع عنها، والذين يعتقدون أنه يمكن التوصل مع الإدارة الأمريكية إلى تفاهم لتفادي الضغوط وما قد يتلوها هم واهمون، فليس أمام سورية من خيار سوى المجابهة.
لكي لا تكون المجابهة انتحاراً، يتعين على سورية الإعداد لها بمنتهى الدقة والإتقان والتعامل معها بحكمة وحنكة.
ينبئنا التاريخ أن الشعوب عندما تواجه مخاطر مصيرية تعمد إلى رص صفوفها واستنهاض طاقاتها البشرية والاقتصادية لمجابهة المخاطر، بريطانيا العظمى على سبيل المثال لجأت خلال الحرب العالمية الثانية إلى اتباع نهج اقتصاد الحرب للصمود في وجه ألمانيا النازية.
اقتصاد المجابهة له متطلبات، يأتي في مقدمتها تمتين الجبهة الداخلية، وهذا يستدعي مصارحة الشعب بالمخاطر التي تستهدفه، وبالتضحيات التي يمكن أن يتحملها. كما يتطلب مشاركته في الإعداد والتحضير للمجابهة وفي إقرار الخطوات والإجراءات التي يتعين اتخاذها، ولأن المستهدف هو الوطن، ولأن المجابهة هي مسؤولية هامة تستدعي مشاركة جميع المواطنين، فمن الأهمية بمكان إفساح المجال أمامهم لتنظيم صفوفهم ضمن لجان ومنظمات وأحزاب، وإطلاق سراح المعتقلين، وتفعيل الحياة السياسية، وتوسيع المشاركة في عملية صنع القرار.
ومن أجل تعزيز قدرة الشعب على الصمود والمواجهة، ينبغي معالجة همومه الحياتية وتحسين مستوياته المعيشية، وتوفير فرص العمل له.
اقتصاد المجابهة هو اقتصاد التقشف، وتوجيه الموارد المتاحة لتلبية أغراض الصمود، وترشيد استخدامها.. اقتصاد الكف عن الهدر والبذخ وتبذير الموارد، اقتصاد تجفيف منابع الفساد، ومكافحة آلياته واجتثاث رموزه.
اقتصاد المجابهة يتطلب ترشيد استخدام الموارد المتاحة وتوجيهها نحو القطاعات الإنتاجية الأكثر ضرورة التي تلبي احتياجات المواطنين وتمكّن من زيادة الصادرات، ونحو المناطق الأقل نمواً والأكثر احتياجاً.
اقتصاد المجابهة هو اقتصاد ترشيد الاستهلاك عن طريق رفع أسعار السلع الاستهلاكية الكمالية والاستفزازية، وإيقاف الدعاية للسلع الاستهلاكية، وزيادة الضرائب على الحفلات الخاصة التي تقام في الأماكن العامة، والحد من الحفلات الرسمية والمهرجانات والمؤتمرات، وترشيد استهلاك الطاقة بإيقاف التعدي على الشبكة والحد من الضياع وتقنين استهلاك السيارات الحكومية، وتحفيز المواطنين على تجنب ا لإسراف.
اقتصاد المجابهة هو اقتصاد ترشيد الاستيراد، والكف عن استيراد السلع الكمالية، والتي ينتج مثيلها محلياً، ومنع استيراد السلع الأمريكية المصنعة في الولايات المتحدة والمنتجة بترخيص في البلدان الأخرى، وترشيد استخدام القطع الأجنبي.
اقتصاد المجابهة هو اقتصاد الدولة القوية التي تتحكم في قرارها الاقتصادي، وتتدخل حين الضرورة، وتضع حداً للتهريب، وتكافح الاحتكار، وتكفل استقرار الأسعار، وتعاقب كل من تسول له نفسه استغلال الظروف الحرجة لتحقيق مآرب شخصية ومصالح خاصة.
اقتصاد المجابهة يستدعي حكومة قوية، تتعامل بشفافية ومسؤولية، وتضع حداً للتسيب وغياب الانضباط المسلكي، وتعمل على تحسين أداء المؤسسات الحكومية لتقديم خدمات للمواطنين بكفاءة وسرعة، وتعاقب المسيئين وتكافئ المجدين، وتقدم مثلاً صالحاً للمواطنين.
اقتصاد المجابهة يتطلب تعزيز الثقة المتبادلة بين المواطنين والحكومة والنظام.
(*) كتبت قبل بداية الأزمة السورية.