الاقتصاد السوري… عقدان بين الأصفر والأخضر (1-2)
عقد التحولات..والضوء الأصفر
فتحت قرارات الحكومة الأخيرة بتقليص الدعم الحكومي لأسعار المواد الأساسية لمعيشة المواطن السوري، وزيادة أسعار هذه المواد في ظرف بالغ الصعوبة، فتحت الباب على مصراعيه لمقارنة كانت جائزة.. لكنها اليوم أصبحت حتمية بعد تجاوز هذه القرارات لخطوط اعتقدتها جماهير الشعب السوري وبعض القيادات السياسية فيما مضى حمراء.
في عام 2010 وضع مهندسو الاقتصاد السوري الخطة الخمسية الحادية عشرة، مهدوا لذلك بتأكيدهم أن توجهاتها ستكون محابية للفقراء، بعد أن أدت الخمسية العاشرة إلى فتح البلاد أمام بضائع العالم بأسره.. وإغلاقها في وجه القطاعات السورية المنتجة! إذ راوحت مساهمة الصناعة التحويلية في الناتج المحلي الإجمالي بين 7و9%، وتوقفت ما نسبته 70% من الصناعة النسيجية والألبسة الجاهزة في دمشق وحلب، وتراجعت الزراعة من 24 إلى 16% في عام 2010 ونمت أنشطة القطاعات الريعية التي كانت وراء نسب النمو التي بلغ متوسطها 5%، وتراجعت الأجور والمداخيل الحقيقية بسبب ارتفاع أسعار مستلزمات الإنتاج والمواد الأساسية لمعيشة المواطن السوري، وخاصة المشتقات النفطية، بنسبة بلغت نحو 60%، وبلغ معدل الفقر نحو 38%، ونسبة العاطلين عن العمل 13% .
لكننا نظرنا آنذاك بعين الشك إلى تصريحات مسؤولي الاقتصاد حول الخطة الخمسية الجديدة، لأننا كنا ومازلنا ندرك أن اقتصاد السوق المحرر من جميع القيود الاقتصادية والاجتماعية والإنسانية، والذي يسعى الفريق الاقتصادي إلى تكريسه في سورية لن يكون أبداً محابياً للفقراء.. بل للنخب الثرية.. ورجال أعمال (الغفلة)..والمضاربين، وسيحول قطاعات الإنتاج السوري الحقيقية كالصناعة والزراعة إلى هياكل هشة.. مهمشة تنفيذاً لوصايا ونصائح البنك الدولي وصندوق النقد الدولي اللذين تقدما بعدة سيناريوهات لإعادة هيكلة اقتصادنا الوطني وفق برامج (توافق واشنطن) سيئة الذكر. وتحققت شكوكنا حين تقدم الطاقم الاقتصادي باقتراحاته لإلغاء تدريجي للدعم الحكومي لأسعار الطاقة، والتي تضمنت رفعاً تدريجياً لأسعار الطاقة الكهربائية والمازوت خلال سنوات الخطة الخمسية الجديدة، على أن توزع نسبة تتجاوز 40% من عائدات الخزينة بعد تنفيذ هذا المقترح كدفعات نقدية للمواطنين، ودعماً لقطاعات حكومية ترعى المواطن السوري كالجامعات الحكومية والمدارس والمشافي.
لقد جاء اقتراح الفريق الاقتصادي آنذاك بعد محادثات(المادة الرابعة) مع وفد صندوق النقد الدولي، الذي أصدر تقريراً عن هذه المباحثات لعام 2009 يتضمن حزمة من التوصيات لاستكمال إعادة هيكلة الاقتصاد السوري وفق اقتصاد السوق، وكان أهم هذه التوصيات : (1)
أولاً – لاحظ ممثلو الصندوق الحجم الكبير للاستثمارات العامة في موازنة عام 2010 الذي فاق مثيله في عام 2009 لذلك نصحوا بتخفيض هذه الاستثمارات العامة.
ثانياً – أثنى ممثلو الصندوق على تخفيض الدعم الحكومي على أسعار المشتقات النفطية، هذا التخفيض الذي أدى إلى تحقيق مكاسب مالية، وحقق انخفاضاً كبيراً في الهدر والتهريب والاستهلاك المحلي لهذه المشتقات، وأيدوا استبدال نظام القسائم بالدعم النقدي للمستحقين، ونصحوا باستمرار هذه السياسة تجاه تخفيض الدعم النفطي، كما نصحوا بإعادة تنظيم الإدارة الضريبية، وتبسيط الضرائب غير المباشرة، والحد من ارتفاع الضريبة على الدخل .
ثالثاً- رحب ممثلو الصندوق بالتقدم المحرز في الانتقال إلى اقتصاد السوق، لكنهم لاحظوا أن ما تبقى من برنامج الإصلاح الهيكلي هو جوهري، ومن الضروري استكماله، وأعربوا عن تأييدهم لمواصلة التركيز على الحد من عدد السلع الخاضعة للتسعير الإداري، كما أكدوا أنه لا بد من ترشيد نظام الدعم في القطاعات المختلفة، أي العمل على تحرير أسعار السلع المدعومة ، ناهيك عن القيام بمزيد من الإجراءات التي توسع من تحرير التجارة الخارجية.
وتَلخص ردنا على مقترحات الطاقم الاقتصادي(الملغومة) آنذاك :
1 – إذا كان الهدف من اقتراح رفع أسعار الطاقة تقليص الدعم الحكومي بهدف دعم موازنات الدولة التي تعاني العجز الدائم، فهناك حزمة من الحلول يمكن اللجوء إليها دون تعريض الصناعة الوطنية إلى خطر تراجع تنافسيتها المتواضعة..ودون زيادة مصاعب المزارعين السوريين الذين يعتمدون على المازوت لري محاصيلهم، خاصة بعد تراجع قطاعنا الزراعي وانخفاض إنتاج المحاصيل الرئيسية، ودون أن نفاقم المصاعب المادية التي أثقلت كاهل الغالبية العظمى من المواطنين .
ويأتي في مقدمة هذه الحلول إعادة النظر بالتشريعات الضريبية السارية، التي خفضت قبل سنوات معدل الضريبة المباشرة على الحد الأعلى للأرباح من نحو 75% إلى 28%، بهدف تحفيز وتشجيع الاستثمار الوطني والأجنبي على المساهمة في عملية التنمية، علماً أن حوافز أخرى كاستقرار الأوضاع الداخلية، وفعالية قوانين الاستثمار، وتأمين البنية التحتية، تمارس في كثير من الأحيان تأثيرها الإيجابي على زيادة تدفق الاستثمارات أكثر مما تمارسه القوانين الضريبية .
القطاع الخاص بجميع فئاته استفاد من هذا التحفيز، وارتفعت مساهمته في الناتج المحلي الإجمالي من نحو 56% عام 2004 إلى نحو 70% عام 2009 وشهدنا زيادة أرباح ممثلي هذا القطاع وثرواتهم، لكن الضريبة المباشرة على الأرباح ارتفعت من 112 إلى 119.5 مليار ليرة سورية فقط خلال نفس الفترة! وهي لا تتجاوز في أحسن الأحوال 15% من الناتج المحلي الإجمالي، وإذا أضفنا التهرب الضريبي وتخلف وسائل التحصيل، توضح لنا أسباب تواضع مساهمة ضريبة الأرباح المباشرة في إجمالي الإيرادات الضريبية. إن تعديل التشريعات الضريبية يؤمن للخزينة مزيداً من الإيرادات الضرورية لدعم الطابع الاجتماعي للخطة الجديدة، واستمرار الدعم الحكومي لأسعار الطاقة .
2 – أما الحلول الأخرى فتتوزع بين عقلنة الانفتاح نحو العالمية والشراكات (الضارة) لتشجيع الصناعة والزراعة الوطنية بدلاً من( قهرها)، بهدف زيادة خلق فرص العمل، وزيادة إيرادات الخزينة، ووقف تمويل المشاريع الريعية، وإصلاح القطاع العام الصناعي، وزيادة الاستثمارات في المصانع والمعامل الرابحة فيه، ووقف الهدر ومكافحة الفساد وسرقة المال العام والتهرب الضريبي.
لم تكن هذه الاقتراحات بالوناً للاختبار.. بل لاقت تأييداً من قوى المال وممثلي الليبرالية وبعض القيادات السياسية التي أرادت إتمام عملية التحول نهائياً نحو اقتصاد السوق، وتحرير كل ما كان مقيداً في العقود السابقة، لكن تردد مراكز القرار العليا، وممانعة القوى السياسية الوطنية، وممثلي المنظمات الشعبية والنقابات، وآراء خبراء الاقتصاد آنذاك، وبدء انتفاضات الجماهير في شوارع المدن العربية، التي قهرها الفقر والتهميش، حالت دون تنفيذ هذه الاقتراحات في زمن كانت سورية تنتج فيه 365 ألف برميل نفط يومياً تصدر نصفها، وديونها الخارجية هي الأقل بين الدول النامية إذ لاتتجاوز 7 مليارات دولار، وتمتلك احتياطاً استراتيجياً من القطع الأجنبي يقدر بثلاثة أضعاف ديونها.
(1)- راجع تقرير صندوق النقد الدولي عن محادثات (المادة الرابعة) مع سورية 2009.