تنوع الأجوبة باختلاف المواقع

من الصعب على الإنسان المفكر أن يصدر حكماً صائباً على قضية ما وهو يعيش أحداثها، بمعنى آخر، لا يستطيع المرء أن يتخذ موقفاً واضحاً وصريحاً من مشكلة أو أزمة وهو يعاني تفاصيلها الصغيرة والكبيرة المحلية والإقليمية، وحتى العالمية.

عليه إذاً أن يبتعد، ولو قليلاً، عن مجريات الأحداث وعن ساحة تفاعل مؤثراتها وتأثيراتها، ويتخلص ولو نظرياً من تحيزاته المسبقة، وحتى من التزمت الصارم في إبداء الرأي لأن آراءنا مبنية على المعلومات التي نتلقاها ومعظمها لا يتصف بالموثوقية والحياد والموضوعية.

لو طرح كلٌ منا، فرداً ومؤسسة وحكومة وقيادة ومواطناً، على نفسه سؤالاً لا مهرب من طرحه: ما هو موقفي من الأزمة السورية (الوطنية)؟ وماذا فعلت من أجل المساهمة في حلها؟ لاختلفت الأجوبة باختلاف المواقع والمسؤوليات والإمكانات المتاحة والمرجعيات المتنوعة. ونقطة الانطلاق عند الجميع عليها أن تتأسس على الموضوعية العقلانية والحكمة، والبعد عن الأنوية وضيق الأفق وتجاوز الثنائيات الضدية القاتلة (موالاة – معارضة) والبحث عن المساحات الواسعة من الاختلاف والتوافق وتثبيت نقاط الالتقاء والتقاطع (المابين) وتعزيزها بوصفها حجر الأساس لإيجاد حلول عملية لقضايا الخلاف.

 

***

إذا كان الهدف نشر الفوضى وتعطيل عمليات التفكير وجر الناس إلى الانغلاق بأشكاله المختلفة، كماً ونوعاً (الديني – الإثني – الفكري – السياسي) والعودة بالعقول إلى مرحلة ما قبل الدولة (القبيلة) بإثارة الأحقاد القديمة والقضاء على الكثير من الإنجازات الاجتماعية والثقافية والفكرية بردة إلى عصور لا يمكن استعادتها، ليس لأنها قد ولّت وإنما لأن شروط الحياة الجديدة لا يمكن لها أن تقبل تلك الصيغ التي تجاوزتها الحياة المعاصرة بما فيها من تقدم علمي وتطور حضاري مسّ كل جوانب حياة الناس المادية والمعنوية.

إعادة التاريخ إلى الوراء (القرون الوسطى) أو ما قبلها (القبيلة) وتخطي مراحل التطور العالمي (المدنية) والأنظمة الاقتصادية السياسية الاجتماعية (الرأسمالية – الاشتراكية) والصراعات الفكرية واختلاف الأيديولوجيات وحوار الثقافات، والتنوع الإنساني الخلاق القائم على المحافظة على الخصوصيات لكل شعب من الشعوب والانفتاح على المنجز الإنساني أصبحت حقائق موضوعية من الصعب أن تقهرها قوى الظلام والتخلف والانعزال والعزلة الموهومة.

 

***

ممارسة رياضة تطهير الأنفس من الأحقاد والتخلص من التعصب والانغلاق فعل يومي وممارسة تحتاج إلى جهد خلاق وعمل دؤوب متواصل، هذه الرياضة تقوم بموازاتها عمليات بناء جسور إعادة الثقة بالوطن وإمكاناته وقدراته على إيجاد الحلول الناجعة للأزمات الخانقة (أهل مكة أدرى بشعابها).

الثقة بالنفس وقدرتها على الإحاطة بكل مفرزات الأزمة السياسي والاقتصادي والاجتماعي، والمساهمة كلٌ حسب موقعه وما يملك من مؤهلات وقدرات، لا يمكن له أن يعطي ثماره إلا في مناخ من الديمقراطية وإطلاق المختلف وتعدد زوايا النظر لأسباب الأزمة ومعالجة سبل الخروج منها.

التنوع في الآراء يقرّبنا من الحلول الصائبة، والتفرد في اتخاذ القرارات يجعلها أكثر عرضة للخطأ، فإذا كان الهدف بناء سورية المدنية الديمقراطية القائمة على التعدد والاختلاف فلا مفرّ من حوار وطني عام وشامل يحافظ على سورية وطناً موحداً وشعباً واحداً يشارك أبناؤه جميعاً في صياغة ملامح مستقبله.

العدد 1194 - 15/04/2026