لوركا.. الجذور والأصول

تأثر لوركا تأثراً عميقاً بتاريخ العرب في الأندلس، فقد امتلأ كيانه بتلك التذكارات الحية، والقيم الأصيلة، لأولئك الذين خلّفوا شيئاً مهماً للأجيال والتاريخ.. ذلك الشيء الذي يبزغ يومياً كالشمس في أعماقه ووجدانه، ليرسم صورة الذين مرّوا هنا من قبل، وتركوا تلك الرموز الناطقة والباقية عبر الزمان، كأبدع ما تكون الصورة  ومشاهدها، ودلالاتها المتمثلة بالحضارة، وفنون العمارة والموسيقا والآثار، وثقافة متميزة ظلت تنتقل في المفكرين والملهمين المبدعين حية  دافئة التوهج والحضور. وقد ذهب البعض في نسب لوركا إلى اعتباره عربي الجذور والأصول، وقد عبر عن ذلك بعمق الدكتور إبراهيم خليل من الجامعة الأردنية في بحثه (مصرع لوركا) وتأثيره في قصائد من الشعر العربي، وذلك في مجلة  أوراق  العدد الحادي عشر، عمان ،1999 حيث خلص إلى القول: إن لوركا الذي وُلد في قرية (موتينيا فاكيروس) عام 1898 قريباً من غرناطة، آخر حواضر الأندلس المشهورة، لا يستبعد الباحثون أن الدم العربي يجري في عروق هذا الشاعر، الذي نفى مراراً، أن يكون من أصل غجري. هذا الكلام يقودنا بالتالي إلى نقطة أخرى لا تقل أهمية عن أصوله وجذوره الحقيقية، إذ بلغ هوسه بأصول الموسيقا العربية، وولعه بأنماط الموشحات الأندلسية.. أن جعلها صوت شعره الذي تكاد تنطق مفرداته بالفناء والموت معاً.. طريقاً للأبد.. اللانهائي:

… في أغصان الغارْ

تسري حمامتان سوداوانْ

إحداهما كانت الشمسْ،

والأخرى كانت القمرْ

قلتُ لهما: ياحبيبيَّ،

أينَ قبري إذن؟!

قالتِ الشمُس: في ذيلي.

قال القمرُ: في رقبتي…

في أغصان شجرةِ الكرز!

وإيغالاً في تمويهِ ما طلب، وما رأى، فإنه كثيراً ما يلجأ إلى المجازات، والاستعارات المبهمة، ليدخل القارئ عميقاً وبعيداً في تفاصيل ما يؤولُ إليهِ الكلام!

… رأيتُ حمامَتينِ عاريتينِ،

إحداهما كانت هي الأخرى،

والاثنتانِ.. لا أحدْ؟!

إذاً، فالشاعر وحده هو الذي يفهم كنه الأشياء، ويكشف خفاياها، وأسرارها الغامضة المبهمة، والعصية على الآخرين أن يفهموها، أو يخوضوا في غموضها الآسر، وتجلياتها الغائبة جداً. بل يذهب الشاعر أبعد من هذا كله، إذ يستطيع أن يؤالف بين الأشياء التي تكره بعضها، ويعبر المستحيل تجاه كل ضالة منشودة.

وفي اللحظة التي عبَّر فيها لوركا عن أحدِّ حالات الموت قساوة وضراوة: وذلك في مرثيتيه الرائعة عن مصارع الثيران  إحنانيوسانشيت ميخيلس  فكأنما أراد في تلك المرثية أن يضع في الموت حداً لكل علاقة كانت قائمة بين المرء والحياة.. إذ كل شيء ينتهي بالموت، وعند حدود القبر أغلقت ذاكرة الأشياء دونك:

… لا الثور يعرفُكَ، ولا شجرةُ التينِ،

ولا الخيولُ، ولا النحلُ في بيتك…

لا الطفلُ يعرفُكَ، ولا المساءُ،

لأنك مُتَّ إلى الأبدْ!

العدد 1194 - 15/04/2026