التسعين للتأسيس والذكرى التاسعة والستين لتأسيس الاتحاد العالمي للنقابات
تترافق تفاعلياً وزمنياً هذه الأيام إحياء كل من الذكرى التسعين لتأسيس الحزب الشيوعي السوري – اللبناني في عام 1924 والذكرى التاسعة والستين لتأسيس الاتحاد العالمي للنقابات في تشرين الأول عام 1945.
ويتزامن التخليد لذكرى هذين الحدثين الهامين أيضاً مع إجراء انتخابات ومؤتمرات المكونات القاعدية والوسطى في تنظيمات الحركة النقابية السورية الجارية هذه الأيام، رغم الظروف المريرة والصعبة التي يعانيها عمالنا وشعبنا في بلدنا الحبيب، بسبب الحرب على سورية واستهداف تميزها الوطني والقومي والتقدمي والإنساني من قبل أعداء الداخل والخارج.
وتعبيراً عن تحيتنا وتقديرنا لذكرى هاتين المناسبتين الكبيرتين بوصفهما إنجازين هامين في تاريخ الطبقة العاملة والقوى الوطنية والتقدمية واليسارية على المستويات السورية والعربية والعالمية، رأينا أن نستذكر معاً إسهام وذكرى المناضلين العمال والنقابيين السوريين من أبناء الحزب وكوادره، والقوى التقدمية، تخليداً لدورهم الهام في التأسيس وبناء الاتحاد العالمي للنقابات والمنظمات النقابية العمالية في سورية قبل ذلك.
انعقد المؤتمر التأسيسي للاتحاد العالمي للنقاباتWFTU في باريس خلال الفترة الواقعة بين 25 أيلول 8 تشرين الأول عام 1945.
جاء هذا الانعقاد بعد مخاض عسير بدعوة من اجتماع اللجنة التحضيرية بجلستها المنعقدة بتاريخ 23 أيار من العام نفسه 1945 وهي اللجنة التي كان قد فوضها بذلك المؤتمر النقابي العالمي التمهيدي الأول الذي انعقد في لندن بتاريخ 6 شباط 1945.
ويمكن القول إن اللجنة التحضيرية قد واصلت عملاً دؤوباً طيلة الأشهر الفاصلة بين مؤتمري لندن وباريس، وتمكنت أخيراً من النجاح وبتجاوب واضح من معظم نقابات العالم التي كانت وعمالها وشعوبها تعاني الأمرّين من ويلات قيام الحرب العالمية الثانية وآثارها الكارثية، وتسعى لضمان توقفها وعدم تكرار هذه المذبحة الكبرى في تاريخ البشرية.
الأمر الذي تم التأكيد عليه كهدف أساسي للمؤتمر للاتحاد الجديد بالقول الصريح في المؤتمر الصحفي الذي انعقد بتاريخ 24 أيلول، قبل يوم من بدء المؤتمر، وعلى لسان منظميه (لو كانت شعوب العالم في عام 1936 أو 1937 قد أدركت أن في الإمكان الاتفاق فيما بينها كما تفعل اليوم، لما وقت الحرب).
إن امتلاك معظم القادة النقابيين ومنظماتهم العمالية في أرجاء العالم لمثل هذه القناعة وطموحهم بالخلاص وتوحيد قواهم ضد الحرب ومن أجل السلام وضد الاستغلال والاستعمار، ومن أجل مستقبل أفضل لهم ولأسرهم ولأبناء وطنهم، كل ذلك دفع المئات منهم لتجاوز كل الصعوبات والاختلافات، بل وحتى التناقضات العدائية في بعض الحالات من أجل المشاركة في المؤتمر والأمل في الإسهام بصنع هذه الطموحات العمالية والوطنية والإنسانية. ومن هنا يمكن أن نتفهم نجاح اللجنة التحضيرية والمؤتمر في جمع شمل ممثلي كل التيارات النقابية، وإنجازها عقد مؤتمر عمالي توحيدي كبير ضم 346 مندوباً من 56 بلداً من كل القارات يمثلون 67 مليون عامل منتسب للنقابات.
كان من بين الأعضاء المشاركين بالمؤتمر ثلاثة مندوبين يمثلون عمال ونقابات سورية، إضافة إلى ثلاث وفود نقابية تمثل عمال ونقابات لبنان ومصر وفلسطين من المنطقة العربية، وشارك في المؤتمر ممثلين عن الاتحاد الدولي للنقابات IFTU) ) الذي كان قد تشكل قبل الحرب العالمية الأولى، والاتحاد الدولي المسيحي الذي كان قد تأسس عام 1920 في حين امتنع الاتحاد الأمريكي للعملAFL) )وكذلك اتحاد عمال المناجم الأمريكي عن الانضمام للمؤتمر رغم الدعوة الموجهة إليهما، وتمثل عمال الولايات المتحدة الأمريكية في المؤتمر من خلال عدد من القادة النقابيين على رأسهم ممثلو نقابات مؤتمر المنظمات الصناعية (CIO) ونقابات أخوية السكك الحديدية.
يتبدى من لائحة المشاركين التنوع الملموس في تمثيلهم لمختلف الاتحادات النقابية المتوزعة على عدد كبير من البلدان، ومن كل القارات في العالم، ومن بينها سورية، وتبرز لائحة الحضور ومداخلاتهم في المؤتمر اختلافات واضحة في ولائهم للمدارس النقابية والأيديولوجية والسياسية المتعددة مع انكشاف اختلافات وممانعات حتى بين نقابات البلد الواحد، وخاصة بشأن الموقف من تأسيس الاتحاد العالمي للنقابات وحضور المؤتمر، كما في حالة منظمتي الولايات المتحدة الأمريكيةAFL وCIO )المتباينتين، وحتى في الحالة السورية، فقد كشفت عن التباينات حدة وخلافات عملية انتخاب الوفد المشارك في المؤتمر، واختلاق بعض التعقيدات الإجرائية في السفر، وعرقلة الالتحاق بالمؤتمر من قبل بعض قادة الاتحاد في سورية، وعدم تمكن بعضهم من المشاركة.
إن كل هذا ومثله حالات أخرى يشير إلى صعوبة المرحلة وتناقضاتها وإلى مدى كثافة الجهود التي تطلبها ضمان انعقاد المؤتمر ونجاحه، ولم تكن الإشكاليات والعراقيل التي صاحبت عملية مشاركة وفد النقابات السورية سوى واحدة منها أو عيّنة نموذجية عنها قد تشابهها الكثير من تجارب ومتاعب مندوبي ومنظمات بلدان الجنوب الفقيرة والمستعمرة، وتلك التي تعيش انقسامات أيديولوجية جادة فيما بين نقابات الدول الكبرى وداخلها.
وقد كان لنا شخصياً شرف اللقاء والاستماع المباشر لأجزاء وعينات من قصة آلام المخاض وفرحة الوليد العالمي للحركة النقابية، ومن ملاحم الرواد النقابيين السوريين الذين عاشوا تلك المرحلة، وساهموا في مؤتمر تأسيس الاتحاد العالمي للنقابات وتطوراته، كان أبرزهم القائد النقابي الراحل إبراهيم بكري، رئيس الوفد السوري المشارك الذي حالفني الحظ في أن ألتقيه لأول مرة عام 1968 بدمشق لدى مشاركتي عضواً في مؤتمر الاتحاد المعني لنقابات عمال المرافق العامة، واستمعت إلى مداخلاته الغنية بالحكمة والموضوعية، ونحن متزاملين عدة دورات كأعضاء في المجلس العام للاتحاد العام لنقابات عمال سورية في السبعينيات، وأغنى معلوماتي وتجربتي، ونحن نترافق في عدد من أنشطة الاتحاد العالمي للنقابات واجتماعاته في تسعينيات القرن الماضي وبداية الألفية الجديدة.
وللأسف بوجع وحزن شديدين نعيته ورثيته باسم الأمانة العامة للاتحاد العالمي للنقابات، وبصفتي نائباً للأمين العام، وذلك في مراسم تأبينية لدى رحيله في عام 2009 تاركاً لنا ولعمال سورية والعالم ذكراً خالداً وإرثاً نضالياً كبيراً في الميادين النقابية والسياسية والوطنية والعربية والأممية.
كان الراحل الكبير يحدثنا باعتزاز ورضا عن رحلة الكفاح النقابية والمعاناة الشديدة التي واجهت النقابات ومندوبيها لضمان المشاركة وتوفير إمكانات سفرهم لحضور المؤتمر في باريس، التي بالكاد وبشق النفس كانت خارجة هي وكل شعوب العالم منهكة ومشوهة من براثن وحوش الحرب العالمية الثانية، وكانت سورية لاتزال تعاني الوجود الاستعماري للجيوش الفرنسية وتناقضات القوى الاستعمارية الخارجة من الحرب فيما بينها والمواجهة مع القوى الوطنية وبعض التباينات داخل الوسط العمالي والحركة النقابية السورية.. فارتسم أمامنا صورة عن مخالفات وتناقضات المرحلة والحسم الديمقراطي للتوافق داخل التنظيمات النقابية من أجل إقرار مبدأ المشاركة من عدمها، وعن الحوارات الساخنة لتجاوز الخلافات في تحديد المندوبين الموفدين للمؤتمر وانتخابهم، وتنازع الأجنحة النقابية والمجموعات والنخب القيادية فيما بينها حول هذه المسائل، والتي تعكس في حقيقة الحال تعدد الانتماءات وتباين المصالح وتلاوين الخلفيات النقابية والسياسية والأيديولوجية إن كان في سورية أو غيرها من البلدان.
لذا ارتأيت أن أسرد مقتطفات من الشهادات الحية لما سمعناها والعديد من رفاقنا السوريين المؤرخين للعمل النقابي من رئيس الوفد وزميليه السيد سعيد السواس والسيد جميل الشيخ عثمان، وتلك الشهادات واللقاءات التي أوردها قادة نقابيون رواد في مذكراتهم وكتبهم عن تاريخ الحركة العمالية والنقابية السورية يمكن أن تفيد في تقديم نموذج حي عن مناخات ومعاناة مرحلة التأسيس والتذكير بمعضلة قديمة حديثة تتعلق فيما إذا كانت القيادات النقابية تمثل مصالح قواعدها وعمالها، أم حاجات المحافظة على المنظمة النقابية أم مصالح الأحزاب والتيارات السياسية التي تنتمي إليها هذه القيادات.
يشير المرحوم إبراهيم بكري إلى (أن الوفد السوري في مؤتمر باريس كان يتكلم باسم مؤتمر العمال السوريين) ويقول: دفعنا الاشتراكات باسم مؤتمر العمال السوريين.
ويقول النقابي سعيد السواس عضو الوفد (عقدنا مؤتمراً عمالياً لسورية لإرسال مندوبين إلى باريس.. اجتمعنا في بناية العابد برئاسة صبح الخطيب رئيس الاتحاد العام لعمال سورية، ونتيجة الانتخابات سقطت قائمة الخطيب ونجحت قائمتنا. وقد حاول رئيس الاتحاد الخطيب عرقلة تشكيل الوفد، كما لم توافق الحكومة على الانتخاب الذي أجريناه ولم تدفع أجرة الطريق لأعضاء الوفد، فطبعنا أوراقاً للتبرع من أجل تمويل نفقات الوفد.
ويسجل لمندوبي نقابات سورية ولبنان ومصر وفلسطين في المؤتمر مع رفاقهم النقابيين من البلدان كافة، وخاصة في آسيا وإفريقيا مع حلفائهم التقدميين وأنصار الحرية في العالم، وفي طليعتهم ممثلو النقابات السوفييتية كل التقدير والامتنان لهم جميعاً، والرحمة لأرواح الراحلين منهم لدورهم ومشاركتهم الفاعلة في إقرار هذه التوجهات والمهام الداعمة للقوى المعادية للاستعمار والمساندة لحركات التحرر والاستقلال الوطني.
تحية للرواد المؤسسين صانعي إنجازات البناء التنظيمي المناضل للتكوينات النقابية والسياسية، طليعة حركة الكفاح من أجل الاستقلال الوطني والتقدم الاجتماعي والعدالة والسلام.
تحية لكل العمال والتقدميين والوطنيين المخلصين والمنتجين الشرفاء الذين يبنون ويدافعون عن مصالح الجماهير الشعبية وقضاياها، ويذودون عن وطنهم الغالي سورية وسيادته ووحدته، ويعززون وحدة نضال عمال العالم وشعوبه في مواجهة قوى الشر والاستغلال والهيمنة الإمبريالية.