انتقام المستقبل (1)
الانحياز حيدان عن العقلانية والعدالة، عانينا ونعاني منه على مر التاريخ، ما أشعرنا بالغبن والمظلومية. من هنا عندما تضبط الأفكار والمشاعر متوجهة ضد القوى الساعية للهيمنة على العالم تجد مبررها الأساسي لهذا الانحياز النافي للموضوعية، لجهة عدم الاعتراف بما ساهمت به هذه القوى في ميدان التطور وهو كثير. ما يستدعي التفريق بين ما هو توجه إجرامي وخبيث، وما صنع تقدماً للبشرية.
لقد كانت القوى العظمى مصدراً للعدوان على بلادنا، بذاتها أو بمن استولدته ليقوم بالدور، من إسرائيل إلى الإرهاب ما يجعل الانحياز محصوراً في رفض السياسات التي تكرس هذه القوى هيمنتها من خلالها، والمساهمة بقدر الإمكان مع قوى اليسار في رفضها والوقوف في مواجهتها. وقد تكون قوى اليسار هذه هي ممثلة الليبرالية الحقيقية، أو التي تتخلى عن الحوامل التي تبرز وحشية قوى الرأسمالية كما برزت في العالم.
من هنا أجد أهمية قراءة كتاب (المستقبل – ستة محركات للتغير العالمي) بجزأيه، لمؤلفه آل غور، السياسي والسيناتور ونائب الرئيس الأمريكي سابقاً، أي المتمتع بكامل المواصفات التي تجعله ممثلاً حقيقياً للإمبريالية الأمريكية، أو الرأسمالية في مرحلتها العولمية بقيادة أمريكا.
في الكتاب الكثير مما يوقف عنده، ولا أرى أن ملخصات الكتب أمر سليم أو يغني عن قراءتها، فقد يغفل أو لا يستوعب الكثير مما يجب أن يعرف في القراءة الكاملة. وأنا هنا أقوم بقراءة في بعض الأفكار والتعليق عليها لا بتلخيص الكتاب الذي أشجع قراءته، ففيه الكثير.
وإذا لم يكن هناك قراءة غير مغرضة، فإن غرضها أو مشروعيتها هنا تكمن في إشارات واعترافات مؤلف ذي مواصفات عليا، تؤهله ليكون شاهداً من نوعية خاصة، يصادق باعتباره شاهداً، على التساؤلات المنحازة أو السالبة التي تتوخى الإيضاح، بمقدار ما تستوجب إبراز عدوانية وواقع الرأسمالية أو الامبريالية الأمريكية، وما تقوده.
ينطلق المؤلف في كتابه كما قال من الإجابة عن سؤال تعرض له : (ما محركات التغيير العالمي؟) وبعد إجابة سريعة تفاعل السؤال في ذهنه، فعمل على دراسة الموضوع مستنتجاً أن نشوء اقتصاد عالمي مترابط ارتباطاً عميقاً، وظهور شبكة اتصالات إلكترونية على نطاق الكوكب، وظهور توازن جديد تماماً في القوى السياسية والاقتصادية والعسكرية، وظهور النمو السريع غير المستدام في السكان والمدن، وظهور مجموعة ثورية جديدة من التقنيات القوية في مجال البيولوجيا والكيمياء الحيوية والجينية، وظهور علاقة جديدة جذرياً بين القوة الإجمالية للحضارة البشرية والنظم الأيكولوجية للأرض. هي ستة محركات فعالة في تغيير العالم، من أجل مستقبل (سيكون مختلفاً للغاية عن أي شيء عرفناه في الماضي. وهو ليس اختلافاً من حيث الكم وإنما من حيث النوع).
يلفت في مقدمة حديثه عن (تاريخ المستقبل) والمقصود هي الطريقة التي يفكر بها حول المستقبل وأنها ليست وليدة اللحظة، فعبر الحضارة الإنسانية (كان لكل ثقافة فكرتها الخاصة حول المستقبل) وعندما يقدم لنا علماء الإناسة (الانتروبولوجيا) قراءتهم حول أنماط الحياة السابقة، وهذه القراءات مهما بدت متخلفة فإنها (واقع من نسيج واحد يشمل الماضي والحاضر والمستقبل). تبنى عليها رؤى المستقبل مهما بدت مغرقة في قدمها وتخلفها لمنظور عصرنا.
والمؤلف منذ البداية يكرر الحديث عن تراجع الديمقراطية في الولايات المتحدة الأمريكية ما جعل قدرتها على التفكير الجماعي تنحط، وتبدو سلسلة قراراتها السياسية ضعيفة. وإذا كان يأسف على شيء، فهو لأن العالم يفقد القيادة الحكيمة التي توجه دفة القيادة العالمية، منذراً بضرورة استعادة الولايات المتحدة لديمقراطيتها المتآكلة، أو ربما ظهور قيادة في مكان آخر من العالم، كأمر ضروري من أجل فهم المتغيرات وصياغة المستقبل.
لكن آل غور لايرى أن هذه القيادة يمكن أن تكون خارج إطار الرأسمالية التي يمكن أن تخدم العالم بشكل أفضل (إن الرأسمالية المستدامة وصنع القرارات الديمقراطية السليمة يستطيعان معاً تمكيننا من إنقاذ المستقبل) ولا يخفي تفاؤله في اجتراح معجزة كهذه. لن نقول إن هذا يحيل إلى حتمية ما، كسقوط النظام الرأسمالي حسب ما بشر نهج فكري لا يزال له قوته الفكرية وحضوره النظري العالي. ولا حتمية إصلاح النظام الرأسمالي لذاته، وقد فعلها سابقاً وجدد قوته بعد أن تصور أنه آيل إلى الزوال، ما يعني أنه لم يفقد كامل قوته على الاستمرار، ولا يصح استباق الأمور، فلا تسقط تركيبة اجتماعية ما قبل أن تستنفذ كامل طاقتها على الاستمرار، وقد حصدت القوى التقدمية ربما، نتائج سوء تقديرها هنا، ما يستبعد عودتها إلى الخطأ ثانيةً. العطار دوماً لايصلح ما أفسده الدهر والتهالك الذي يصيب النظم العالمية مسبباً العطب بفعل التغيير في أداء القوى الاجتماعية، وما تفعله الرأسمالية العالمية في مجال إنهاك الشعوب، وما يتولد داخلها من أخطار، تترجمها أزماتها المتلاحقة، قد لا يجد سبيله إلى تجاوز الإعاقة والانصلاح، ما يأذن بتغيير واسع النطاق. وإذا كان ليس هناك في الأفق حتى يومنا هذا ما يشير أو يأذن بقوة إلى نهاية قريبة للرأسمالية، لكن سيكون عجزاً وعقماً لحركة التاريخ، لا تعرفه إذا كانت عاجزة عن تجاوز ما ثبت عجزه، فالثقة في قدرة قوة الحياة على إيجاد الحلول للاستعصاءات كبيرة.
***
عندما يتحدث غور عن المحرك الأول تحت عنوان (شركة الأرض) معبراً عن وحدة الاقتصاد العالمي المترابط بدلائل الاستعانة بمصادر خارجية للوظائف، واستخدام الروبوتات لتحويل الوظائف من البشر إلى الآلة. ما جعل الثروة تتمركز أكثر ويملك الواحد في المئة من الفئة العليا أكثر مما يملكه تسعون في المئة من الناس، وإن أربعمئة من الأمريكيين يملكون ما يمتلكه /150/ مليون أمريكي أو يفوقه. ما يعني التوزيع غير العادل، بل المختل اختلالاً شديداً، للثروة.
ومن المؤشرات التي يوردها أن الثورة الاقتصادية العالمية تؤدي بالفعل إلى إعادة ترتيب بنيوي للأدوار النسبية للولايات المتحدة وأوربا والصين، فبعد أن كان اقتصاد الصين لا يشكل أكثر من ثلث حجم الاقتصاد الأمريكي قبل عشر سنوات فقط، فهذه السنوات العشر تضمن أن يفوق اقتصادها اقتصاد الولايات المتحدة، ليصبح أكبر اقتصاد في العالم، وهو ما يعني (إزاحتها الوشيكة) باعتبارها صاحبة أكبر اقتصاد في العالم، ولهذا دلالاته وتبعاته. في الولايات المتحدة لم يؤهلها إلى الدور الذي قامت به خلال الفترات السابقة سوى قوتها الاقتصادية الجبارة أولاً، وقدرتها على امتلاك ما تخضع به من تريد، سواء بقدرة الاقتصاد أو بالقدرة العسكرية ثانياً.
وعندما يتحدث آل غور عن شركة الأرض، فإنه لايذهب للقول إن الاقتصاد العالمي له السياسات ذاتها والتوجهات ذاتها، بمقدار ما يعنى بالأساليب المتجددة والوسائل التي يستخدمها، ومن لم يلجأ إليها لن يكون قادراً على الانخراط في هذه الشركة. وتبقى القدرة على التأثير في هذه الشركة للأكثر فعالية وديناميكية وامتلاكاً للتكنولوجيا الأحدث وهذا مايستنتج من كلامه الذي يشير إلى تراجع أمريكا لصالح الصين في زعامة القوة الاقتصادية العالمية. فهل يعقل أن تكون الصين عملاقاً بشرياً واقتصادياً، ثم تبقى قزماً سياسياً دون دور أو تأثير في العالم؟!
إن التاريخ لا يقدم لنا الدلائل على ذلك، فها هي الصين تتجه نحو أن تكون أكبر مستخدم للحديث من التكنولوجيا، ولهذا تبعاته التي ستتبلور لاحقاً.