ماذا تريدون مني يا بني أمي؟! بين قبس موسى وشعرية جبران

جاء في الذكر الحكيم قوله تعالى: (هل أتاك حديث موسى إذ رأى ناراً فقال لأهله امكثوا إني آنستُ ناراً لعلي آتيكم منها بقبسٍ أو أجد على النار هدىً) (طه-10).

السورة بكليتها حوار غير معلن بين الإنسان والطبيعة، وقد دأب الفكر الإسلامي عبر نصوصه الأولى على التوسل بمظاهر الخلق الطبيعي ليكون شاهداً على الخلق المثالي المتعالي، والغاية من ذلك هو أن يتوصل المتأمل لذاك الخلق إلى فكرة الإيمان والهداية. ولكن لماذا اقترنت الهداية بالنار؟

يبدو أن عالم الشرق القديم يحفل بالرموز الأسطورية التي تغادر مسوغ النشوء الأول لتنتظم عبر الأزمنة في البنى المختلفة، ومن ثم إلى توضعات غير مألوفة، لكنها تحتفظ بما يربطها (باطنياً) بالوجود الأول. ومن هنا كان المفكر محمد أركون يؤكد -عبر مشروعه- (أن القرآن أسطوري البنية). والأسطورية لا تنفي الواقعية، إنما تُحاكيها، وقد تعمل على ترسيخها، فالنار مُكتشَف بشري ساهم في الانتقالة النوعية من الوجود السديمي إلى الوجود النوعي. ومن طبيعة النار البنيوية استُمدتْ الوظائف الأخرى.

وبعيداً عن النصوص المقدسة فإن أبناء الحياة استنسخوا لأنفسهم نصوصهم التي اتخذت طابعاً بشرياً مقدساً لا من خلال منشئها أو بنيتها الفيلولوجية وإنما من خلال وظائفها التي أدتها زمن خلقها الأول، أو التي يمكن أن تؤديها راهناً ومستقبلاً ما دامت قادرة على التوهج، وما دام أبناء الحياة يجدون فيها (قبساً) أو يجد فيها (القارئ القياسي) قبسه هو الذي لا يجده غيره.

يُنصبّ الشاعر والأديب الناقد جبران خليل جبران (1883- 1931) كأي أديب إشكالي من نفسه نبياً، أو ما يشبه الأنبياء من ذوي العزم (أصحاب الرسائل)، فيسائل أمته مِنْ موقع (الأعلى) ويضع (الأمة) التي يزعم أنها أمته موقع (الأدنى)، من خلال عنوان: (ماذا تريدون مني يا بني أمي؟) والعنوان من مفردات (الأرواح المتمردة). ولجبران أعمال عديدة نثراً وشعراً -كما نرى- لا يرقى إلى نثره، لكنه شعر إذا ما قيس بما تنشره الاتحادات والوزارات والناشرون، والذي غدا -أي الشعر المنتشر- عبئاً على الثقافة، وقد انتظم من دون إرادة أصحابه حائلاً بينهم وبين المعرفة التي تطرحها تحديات العصر. وأستذكر في هذا المقام ما قاله الماغوط (أنا أكتب نصوصاً، ولن أغضب إذا قيل عني لستُ شاعراً، إنما كاتب نصوص).

فجبران الذي ولد في (بشرّي)، وهي إحدى مفردات سورية الطبيعية على ارتفاع 1564 متراً، وتقع ضمن السلسلة الغربية للبلاد السورية قبل أن تقتطع مساطر سايكس بيكو ما يعرف اليوم ب (لبنان)، ويبدو أن سايكس بيكو قد انتهى مفعولها (1916- 2016) بعد قرن من الزمان أدخل البلاد السورية في الأنفاق المظلمة. وقد لاح لنا ولغيرنا اتفاقات جديدة قد تكون (لا فروف -كيري) وقد لا تكون، لكننا نُرجّح أن الوطن السوري (طبيعياً- بشرياً) عرضهَ للمؤامرات منذ دخول جيرانه في القرن الميلادي السابع في عملية (الفتح)، ولولا ذاك الفتح لما وجدنا (الفتح) العثماني (1516- 1916م)، ولولا الفتح العثماني لما وجدنا (إعمار) الغرب الرأسمالي. ولولا النفط الصحراوي مضافاً إليه أحلام الغرب القديمة المستجدة لما وجدنا فتوحات (إستانبول)، ولا الفتح الدوحوي الذي نصب من نفسه -على ظلاميته- قبساً آخر جديداً… لكننا نثق بالثقافة السورية الممتدة إلى عشرة آلاف عام، منذ زراعة الأرض وتدجين الحيوان كأول تجربة بشرية مع الحضارة، وصولاً إلى بنيتها الثقافية المعاصرة القادرة على الجذب والنبذ. نثق بأن الوطن السوري أعمق من فتوحات الصحراء، وأقوى من سلاجقة العرق الأصفر، وأبعد مدى من بصر معارضٍ مشترى بوهم أو بثمن -كيفما هو- بخس قُدّ له من أحلام غيره.

فجبران خليل جبران نبيُّ من بشر، أبعده الظلام العثماني إلى غرب المحيط الأطلسي، لكن البعد الجغرافي كان أضعف من أن يُبعده عن روحه الشرقية أو يفصله عن مشكلات أمته في المعرفة أو السياسة أو المصير.

وعندما واجه أمته بسؤاله (ماذا تريدون مني يا بني أمتي؟) لم يكن ينتظر جواباً، إنما كان يزجي رسالة، يقول جبران: (أتريدون أن أبني لكم من المواعيد الفارغة قصوراً مزخرفة بالكلام، وهياكل مسقوفة بالأحلام؟ أم تريدون أن أهدم ما بناه الكاذبون والجبناء، وأنقض ما رفعه المراؤون والخبثاء؟).

يحدّد جبران المسؤولية التي يُنيطها الأديب الإشكالي بنفسه، أي الهدم والبناء، وهي تبديد ظلمات الفاتحين (وإعادة بناء (الفتح) الذاتي بناءً على الرؤى المشتركة بين التاريخ والحاضر، بين (الخصيب) و(العقيم)، بين من يقرأ (القبس) ومَنْ يَعْمه في (الاقتباس).)

ثم يعزز جبران تساؤله الإشكالي بتوجيه الاتهام (الفردي) ل (الجمعي)، فيقول: (نفوسكم تتلوى جوعاً، وخبز المعرفة أوفر من حجارة الأودية، ولكنكم لا تأكلون، وقلوبكم تختلج عطشاً، ومناهل الحياة تجري كالسواقي حول منازلكم، فلماذا لا تشربون؟).

ما من يشك يحاول جبران أن ينتقل بأمته من (القرون الوسطى) إلى (عالم الأنوار) ولاسيما بعد أن حصّل الرجل ما حصله من ثقافة مفكري الغرب ورجال الفن وكتب الفلاسفة، وعلى الأخص من مناهل الأدب الأنجلوساكسوني، في وقت كان فيه الأدباء العرب يُحيون الأصداء الميتة، يُحيون النمذجة الشعرية للجاهلية، ويستعيدون خلافات النحاة بين الكوفة والبصرة، ويعيشون مع المعلقات تلك الأكذوبة،

أكاذيب الوهم والارتجال فيرددون مع عمرو بن كلثوم (ت582م) قوله بل أحجيته:

ونشربُ إن وردنا الماءَ صفواً

ويشربُ غيرُنا كدراً وطينا

في وقت كان العالم الجديد يحتسي خمرة الزُّهوّ بانتصاراته على مستويين:

الأول: إزاحته العقل الكنسي وإحلال العقل النقدي، والثاني النجاحات المذهلة في العلم التجريبي. ثم يستأنس جبران بصور الطبيعة لا من موقع تمكين فكرة الإيمان على أنها دالة على قدرة الخالق وضعف المخلوق، وإنما لتمكين الذهنية العربية من مقولة (جدل الطبيعة). يقول:

(للبحر مدٌّ وجزر، وللقمر نقص وكمال، وللزمن صيف وشتاء. أما الحق فلا يحول ولا يزول ولا يتغيّر، فلماذا تحاولون تشويه الحق؟ ماذا تطلبون مني… بل ماذا تطلبون من الحياة، والحياة لم تعد تحسبكم من أبنائها؟!)

والإشارة إلى الطبيعة في حراكها وتغير أشكالها إدانة للسكونية التي دأب عليها العقل العربي وهو يصالح نفسه ويصالح خصمه ويصالح على وجوده، والإشارة تلك إعلاءٌ من مقولة (جدل التاريخ) الذي لا يقرّ عند شكل مغلق، ولا عند رأي ناجز، ولا عند معتقد ظن معتقدوه ما ظنوا من كماله وإطلاقيته وقدرته على العبور بين الأمكنة والعصور.

ولايني يُشير إلى مقولتَيْ: الثابت والمتحول في محاولة منه لتعرية ما لم يتعرَّ بعد  من أقانيم القداسة حتى يغدو كل مدعٍ للتعالي أرضياً قابلاً للحذف والاصطفاء.

ويتابع جبران انتفاضته على الأمة ب(تقريع) يحتاجه البلاغيون كشاهد جديد على الاستفهام الخارج على معناه، فيقول: (أرواحكم تنتفض في مقبض الكهان والمشعوذين، وأجسامكم ترتجف بين أنياب الطغاة والسفّاحين، وبلادكم ترتعش تحت أقدام الأعداء والفاتحين، فماذا ترجون من وقوفكم تحت الشمس…؟ فلماذا تقفون في ساحة الحرب والقتال…؟ دينكم رياء ودنياكم ادعاء… فلماذا تحيون والموت راحة الأشقياء؟). من دون شك كان جبران يشير -هنا- إلى الاستبداد العثماني الذي قوي على إيقاع العرب يالخديعة الأيديولوجية، وهي الرابطة الدينية من موقع (تغييب الحدود بين القوميات وإحلال الرابطة الدينية (الإسلامية حصراً). وسواء كان جبران يقتفي خطبة علي بن أبي طالب في الجهاد وهو يقرِّع أعوانه بعد أن أغار سفيان بن عوف الأزدي على الأنبار فقتل العامل عليها حسان البكري عن قصد أو غير قصد، فإنه وقع ذلك الموقع: (أمّا بعد فإنّ الجهاد باب من أبواب الجنة، فمن تركه رغبةً عنه ألبسه الله ثوب الذل… وسيم الخسْفَ ومُنِع النصف… فو الله ما غُزي قوم قط في عقر دارهم إلا ذلوا… فوا عجباً من جِدِّ هؤلاء على باطلهم وفشلكم عن حقكم. يا أشباه الرجال ولا رجال… وددتُ أن الله قد أخرجني من بين ظهرانيكم… وأفسدتم عليَّ رأيي بالعصيان) (البيان والتبيين ج 2 ص53).

 وبعيداً عن المقاربات النصية فإن المفكر النخبوي إذ يضع نفسه موضع الأبوي المرشدفإنه يمارس دور (المعلم) الأرسطي، ولكن هل يمتلك أي نخبوي حق (الأرسطية)؟

من الراجح أن لكل عصر أدعياءه، وأن لكل عصر مفكريه، وأن لكل أمةٍ نخبوييها، وأنّ لكل حقبة أنبياءها… رغم انغلاق عصر النبوة، إلا أن المفكر الذي يخترق الجدر السميكة ليكتشف الضوء عند غير أمته فيحمل منها لنفسه أولاً قبساً، ثم يتمناه لمجموع الأمة، إنما هو الأديب الذي تبحث عنه الأمة قبل أن يبحث هو عنها، وهنا نستحضر رأي توفيق الحكيم: (نأخذ ما في رؤوسهم ونترك ما في نفوسهم)، وكان يعني العالم الغربي المتقدم.

وكغيره من الأدباء المأزومين بعد أن يعاين يتفاءل بطرح البدائل، فيقول جبران: (إنما الحياة عزم يُرافق الشبيبة، وجدٌّ يُلاحق الكهولة، وحكمة تتبع الشيخوخة. أما أنتم يا بني أمي فقد ولدتم شيوخاً عاحزين، ثم صغرت نفوسكم… إنما الإنسانية نهر بلوري يسير متقدماً مترنماً حاملاً أسرار الجبال إلى أعماق البحار).

وفي قناعة جبران وفي قناعة من يشاركه القناعة أن المرحلتين: المملوكية والعثمانية أخرجتا العرب من التاريخ، ولم يبحث المُخرجون عن سبل تجعلهم يدركون طرق العودة إليه، وهذا ما أفقدهم جوهر الحياة، وهو (الحرية). وهذه القناعة كان أبو القاسم الشابي (1909- 1934) قد عمّمها شعراً من خلال مطولته:

ومَنْ لم يُعانقْهُ شوقُ الحياة

تبخّرَ في جوِّها واندثرْ

ظمئتُ إلى الكونِ! أينَ الوجودَ

وأنّى أرى العالمَ المنتظرْ

ومن تعبدِ النورَ أحلامهُ

يُباركْهُ النورُ أنَّى ظهرْ

وما قول جبران: (ولدتم شيوخاً عاجزين) إلا إدانته لاعتزاز العرب المعاصرين بتاريخهم اعتزازاً مَرَضيّاً، من حيث لم يستطيعوا إنجاز تاريخ جديد. فالتاريخ يحتاج إلى محاكمة أو مراجعة، وعند ذلك يقوى الحفداء على الانعتاق من سطوة الأجداد، وفي الوقت نفسه يبدو أولئك الأجداد في موقعهم الطبيعي داخل التاريخ وليس فوقه. ومن المفيد التذكير بمقولة العقاد (مللتُ من عرب اليوم اعتزازهم بأجدادهم، والله إن العمالقة لا تلد أقزاماً)، ومن الممكن أن نقبس منهم ولكن لا نقيس عليهم.

يختتم جبران نداءه الخالد بإعلان الانفصال عن (بني أمه)، والانفصال المعلن ليس انفصالاً بيولوجياً، لكنه انعتاق من عقلية التابع الذي يقدس المتبوع، فلكل طرائقه في الحفاظ على الوجود. وجود الحاضر وهو يبني أحلامه وفق خيالاته يقول: (أنا أكرهكم  يا بني أمي لأنكم تكرهون المجد والعظمة… أنا أحتقركم لأنك تحتقرون أنفسكم).

فالكره والاحتقار ليسا حقيقيين، إنما هما إشارة إلى المسافات الفاصلة بين أبناء الحياة وهم ينتقلون من صيغة إلى أخرى، ومن بِنْية متهالكة إلى بنية مستجدة، ومن لغة (متظالفة) إلى لغة مبتدعة من ضرائر الحياة، ومن خطاب جمعي متناسخ إلى خطاب فردي منبثق، وفي موقع آخر قدّم جبران رأياً في اللغة الفاصلة بينه وبين من يُقرِّعهم (لكم لغتكم ولي لغتي، لكم منها الرثاء والفخر، ولي منها ما يبتكر، لكم من لغتكم أنغامٌ تختارها أصابعها المتظالفة، ولي من لغتي قيثارتي أستخرج منها أغنية تحام بها روحي وتذيع أصابعي).

وإذا كان جبران قد بدا عنيفاً قاسياً على الأمة، فلأنه أحبها على طريقته، أحبها وهي تولد على أسسٍ جديدة. أن تضع أعينها في مقدمة رأسها لا في مؤخرته. وإن كان كلامه نثراً فإنه أقرب إلى الشعر، الشعر الذي يفصله عن غيره، ويفصل غيره عنه، وهو الشعر الذي يستعلي به على من سبقوه. ونستذكر مقولة جورج برنارد شو (1856- 1950) عنه: سُئل أيكما أفضل أنت أم شكسبير؟ أجاب: (أنا طبعاً، لقد قرأته ولم يقرأني وعرفت عنه كل شيء ولم يعرف عني شيئاً، أنا برنارد شو+ شكسبير).

وفي حدود مداهمتنا لكبار الشعراء المعاصرين لم نجد منهم مَن ينعتق من رمزية (القبس) أو مما يشي به، فقد ضمّن بدوي الجبل (ت 1981) آخر حجّة للكلاسيكية المعاصرة إحدى مطولاته هذه الرمزية:

منَ الغوايةِ سلسلْنا هدايتنا

فكان أرشدُنا للنور أغوانا

ولو جلا حُسنَه إنسانُ قدرتِنا

لودَّ جبريلُ لو صغناه إنسانا

ناجى على الطورِموسى والنداءُ لنا

فكيفَ أغفلُ موسى حينَ ناجانا

إِنْ آنسَ النارَ بالوادي فقد شهدتْ

عيني منَ اللَّهبِ القدسيِّ نيرانا

إنه الشاعر وقد أدرك -عبر رؤيته للعالم- أن الإنسان هو القبس المتجدد، وهو -إن أدرك علاقة السماء بالأرض- أدرك علاقة الكلمة بالوجود… أدرك الحرية.

العدد 1196 - 29/04/2026