المواطن الإلكتروني والفأر

منذ سنوات أسمع بشيء اسمه (الحكومة الالكترونية) وهو مصطلح يعجز عقلي عن إدراكه حتى الآن، لكن أستطيع التأكيد أن هناك شيئاً واقعياً اسمه (الشعب الالكتروني)، وهو عبارة عن ثلاثة أرباع السكان من كبير وصغير ومحاصر بالسرير. فالواحد منا، بعد أن تكاثرت عليه الأزمات من غلاء ومواصلات ومحروقات، صار مجبراً على ملازمة بيته، لا يغادره إلا لأسباب تتعلق بالركض وراء الرزق، أما لو وسوس له إبليس يوماً أن يقوم بزيارة عائلية الى بيت قريبه مثلاً في جمهورية جرمانا أو بيت شقيقه في مملكة المزة، فسيحبط عندما يبدأ التفكير بالمواصلات وأجورها وما سيتكلفه من (دولارات)، وسرعان ما يطرد الفكرة من خاطره ولسان حاله يقول (يلي بيطلع من دارو بيقل مقدارو)، ويبدو أن هذا المثل اخترعه الأقدمون للتعبير عن حالنا اليوم! لذا ترى المواطن الحكيم العاقل يجلس في بيته ويلف نفسه بالحرام، فلا تظهر منه إلا يداه، في إحداهما كاسة متة وفي الأخرى جهاز الموبايل، ويتواصل مع الناس إلكترونياً، ولسان حاله يقول (خذوا روحي ولا تأخذوا الموبايل، واقطعوا رأسي ولا تقطعوا النت)، لكن المشكلة أنه حتى المواطن الالكتروني معرض للشعور بالجوع، وطبعاً هو غير قادر على الذهاب الى المطبخ ليبحث عما يسكت جوعه، لذا يقوم بإرسال (ماسج) الى زوجته راجياُ إياها باسم الحب القديم أن تحضر له سندويشة زعتر بشكل إسعافي سريع، ولكن المدام طبعاً لا تقل عنه بشيء، فهي أيضاً مشغولة بعالمها الافتراضي وغير مستعدة للخروج منه من أجل طلب تافه كهذا، عندئذ تصبح حاسة الشم عنده (كلبية) فيلتقط أنفه رائحة (المجدرة) من عند سابع جار ورائحة الفول من البائع في الشارع المجاور، فيكلف خاطره برسالة الى أقرب جار يقول له (نشم من مطبخكم روائح عجيبة غريبة… خير يا جار… هل عثرت على كنز فيه جرة غاز؟) فإذا كان الجار شهماً أرسل له (سكبة الكترونية) هي عبارة عن صورة الطبق الذي طبخته السيدة التي ما زال لديها وقت للطبخ – يعني أنها مازالت صامدة في مواجهة الهجمة الشرسة للواتس أب – وبناء على ما ذكرناه، أجد نفسي عاجزة عن التعبير عن شكري للحكومة التي رفعت الدعم عن (بعض) الأشياء السخيفة، إلا أنها دعمتنا جيداً (بالنت) كوسيلة تعويض عن تلك الأشياء، وقد أحسست بخطورة هذه المنحة حين حدثتني زميلتي عن الموقف الرهيب الذي تعرضت له مؤخراً، فالزميلة التي بينها وبين النت عشرة صبا – كما تقول السيدة فيروز – كانت يومها وحيدة بالمعنى الالكتروني والحقيقي، أي لا يوجد معها أحد في البيت، وكانت الشبكة مقطوعة لأسباب إنسانية – أي تقطعها الشركة رأفة بالمواطن لكي يتسنى له تناول الطعام وأخذ قسط من النوم – وفجأة برز لها ذلك الرأس المخيف… يا إلهي… فأر في البيت… طبعاً لم تعرف كيف ستتصرف لأنها ما رأت فأراً في حياتها باستثناء (جيري)، ولكن هذا المخلوق ليس لطيفاً ظريفاً مثله! ركضت الى الموبايل.لكن هيهات لا شبكة ولا وحدات وكأنه هو الآخر قد نشف دمه! لم تجد أمامها سوى الهروب من البيت، ومن هناك في بلاد المنفى سارعت الى نشر تجربتها المريرة مع الفأر، فجاءتها تعليقات مختلفة، بعضها رسائل تعاطف والبعض الآخر راح يتشاطر عليها ويعلمها أساليب المواجهة دون أن يهرع أحد لنجدتها.

عندما انتهت من رواية حكايتها علينا، علقت إحدى الزميلات المخضرمات – أي من الجيل الذي عاش قبل عصر النت – بأن العادة في مثل هذا الموقف أن تقف المرأة المنكوبة على النافذة أو الشرفة وتولول ليسمعها الجيران، فتدب النخوة في رؤوس رجال الحي فيحملون عصيهم، ويأتون راكضين للقضاء على الفأر أو حتى الجردون… عندئذ بدا على الزميلة المنكوبة الدهشة وكأنها تستمع الى قصة خرافية ثم ردت: جيران؟ ولكن لم ألاحظ سابقاً أن لدي جيران!.

العدد 1140 - 22/01/2025