نصف كأسنا الملآن
على أعتاب السنة الخامسة من عمر أزمتنا، قد يبدو أي حديث عن التفاؤل ضرباً من الترف اليوتوبي المستهجن ينطوي على محاذير شتى ليس أقلها الاتهام بالانفصام عن الواقع، فالغيوم السود ما تزال تتلبّد في السماء، وتطبق على الآفاق منذرة بالمزيد، والمؤشرات لا تنفك تجنح بعيداً عن التمنيات لتلامس تخوم القلق والتشاؤم وترقب الأسوأ، ومع ذلك فإن الإيغال في التشاؤم والسوداوية حدّ اليأس ينطوي أيضاً على بعض الديستوبيا والكثير من الغبن بحق أنفسنا.
فمع كل ما يكتنف المشهد من توتر وغموض، وسواء أقدم المتربصون بالوطن شراً على ارتكاب المزيد من حماقاتهم أم ثابوا إلى رشدهم فارتدعوا لسبب أو لآخر، فقد كانت لهذه المواجهة المتعددة الأشكال والأبعاد جوانب إيجابية لا ينبغي إغفالها وتجاهلها.
لقد نجمت عن المناخات المواكبة لهذا العدوان، وخصوصاً الاحتمال الجدي لتحوله في لحظة ما إلى عدوان خارجي صريح ومباشر، عملية فرز شاملة أفضت إلى رسم خريطة نهائية للمواقف والمواقع على المستويات والصعد كافة داخلياً وخارجياً، ما كان لها أن تنضج وتتبلور إلا في ظل ظروف شديدة الاستثنائية كتلك التي عايشناها خلال السنوات الأربع المنصرمة، أُميط اللثام عن الوجوه، وزال كل شك أو لبس يمكن أن يتذرع به أصحاب المواقف الضبابية المبهمة التي تحتمل كل تأويل وتفسير، كشفت الأوراق و ظهر المستور وتجسدت النوايا المبيتة أفعالاً وأقوالاً وضعت أصحابها كلّاً في موقعه الحقيقي بلا مواربة أو اشتباه وزجت بهم في خضم المواجهة الحاسمة.
من هنا يمكن النظر إلى هذا العدوان كفرصة نادرة لمحق تلك المساحة الرمادية التي استطالت واتسعت حتى غدت ملاذاً لكل منافق ومتخاذل وانتهازي استطاب الاختباء خلف مفردات حق ما أُريد بها إلا باطلاً من قبيل الحياد والواقعية و(البراغماتية) وغيرها من مفرزات عصر العولمة التي راجت في العقود الأخيرة مستمدة مشروعية مشبوهة من خلال ارتداد خبيث إلى إرث أزمنة الانحدار والانحطاط والتبعية، التي لم نعدم يوماً من يتطوع لتمجيدها والتغني بموروثها الغثّ الدخيل على موروثنا الجمعي، متى كان على من أبى إلا (الصدر دون العالمين أو القبر) أن يقنع بسلته بلا عنب؟ ومتى أمسى جلّ همّ من طالما تغنوا بأنهم (شم الأنوف من الطراز الأول) أن يمشوا (الحيط الحيط) طالبين السترة، أو أن يطلبوا أرضاً واطئة تسقيهم ماءها وماء غيرها؟ كيف لسليل معشر (أفنى أوائلهم قول الكماة ألا أين المحامونا) أن يطلب النجاة بالجُبن فيقبل بمئة كلمة جبان فرَقاً من كلمة (الله يرحمه)؟
إنها فرصتنا لإعادة الاعتبار لقيم كادت تغدو تهمة ومذمة لأصحابها ممن آثروا أن يربؤوا بأنفسهم عن ثقافة المصلحة والشطارة، فوجدوا أنفسهم غرباء في زمن (الحرابيق) و(حلال عالشاطر)، حيث لا كرامة لأصحاب القيم (البالية) الذين ما زالوا يتحدثون عن الإيثار والفداء والتضحية وغيرها مما يندرج في سياق نكران الذات في سبيل المجموع، حتى أمست الشجاعة تهوراً، والإباء عناداً، والنزاهة تحجّراً، وما إلى ذلك من تشويه طال فضائل وشيماً لطالما كانت مثار فخر واعتزاز كل ذي مروءة وكرامة.
حقاً.. سنوات أربع رأينا فيها من ضروب الانتهازية والأنانية والنفاق ما لا عين رأت ولا أذن سمعت، لكن بالمقابل طالعتنا فيها أيضاً من صور الإيثار والتضحية والإباء والوفاء ما يفوق التصور والوصف، ويثبت لنا وللآخرين أن كأسنا ما زالت يحوي نصفاً ممتلئاً، وإن خاله البعض للحظة قد تناثر أشلاء، فلنتذكر دوماً أن نصف كأس ماء رائقٍ صافٍ مقطّر خير من بركة آسنة تفوح منها الروائح النتنة، ولنتذكر أيضاً أن أشد لحظات الليل سواداً هي تلك اللحظات التي تسبق بزوغ الفجر، أما أكثر ما ينبغي علينا تذكره فهو أن هذه الغمة لابد لها أن تنجلي عاجلاً أم آجلاً لنكتشف حينذاك أننا بالرغم من كل آلامنا وجراحنا، قد فزنا بلحظة الحقيقة التي ستؤسس لإعادة البناء على قواعد صحيحة سليمة تقينا مستقبلاً شرّ الوقوع في ما وقعنا فيه.
نعم لقد خسرنا الكثير، ولكن ما زال لدينا الكثير مما يجب صونه والحفاظ عليه، مازال فينا الكثير من شمّ الأنوف الذين يأبون إلا الصدر دون العالمين أو القبر، ولا يبالون أن أفنى أوائلهم قول الكماة ألا أين المحامونا.. ما زال لدينا كأسنا الذي علينا أن نعيد إتراعه مجدداً ولو بماء عيوننا.
الأمم العظيمة تولد من رحم الخطوب الكبرى، هكذا علمنا التاريخ الذي لن يغفر لنا إن نحن فوّتنا الفرصة السانحة وفشلنا في استيلاد هذا الخطب الجلل الذي ألمّ بنا وطناً أبهى وأمنع وأعظم.