العجز المائي والسياسات الزراعية الفاشلة!

سعت السياسات والخطط الزراعية إلى تحقيق هدف مهم هو الأمن الغذائي، وسخرت كل الإمكانات والقدرات المتاحة من أجل ذلك، دون النظر إلى الكلف الباهظة، والأثمان الكبيرة التي دفعت. إذ أسقط صناع الخطط الزراعية وسياساتها، ومنفذوها، الثروة المائية من حساباتهم، ولم ينظروا إلى الثمن الهائل للثروة المائية، وقيمتها غير المادية، واستندوا إلى التسعيرة الرخيصة للمياه في البلاد، ضاربين عرض الحائط بالعواقب غير المحمودة لتبديد ثروة غير كافية للاحتياجات أساساً. ولم تكن قطرة الماء تمثل شيئاً مهماً، ولم تُعامل وفقاً لقيمتها الحقيقية، إذ ظلت على الدوام أرخص من قطرة البترول، حتى في مجال تعبئة مياه الشرب، كصناعة وتجارة رابحتين حتماً، إذ تعاملت الحكومات المتعاقبة بلا مسؤولية، وبقيت أسعار المياه المعبأة رخيصة. بمعنى آخر، فإن كل السياسات نظرت إلى المياه كسلعة رخيصة، وثروة فائضة عن الحاجة، وهذا ما جعل الهدر في هذه الثروة يزداد، وتبديدها سيد الموقف، فالسلعة الرخيصة أو شبه المجانية لن تتنبه الجهات المستهلكة لضرورة المحافظة عليها، أو استهلاكها وفقاً للحاجة.

 تعاني سورية من عجز مائي، يصل وفقاً لتقديرات وزارة الموارد المائية إلى 5 مليارات متر مكعب سنوياً، استناداً إلى تذبذب كميات الهطل المطري، وهنا تغدو مشكلة المياه قضية وطنية بامتياز، تتجاوز حدود تأمين مياه الشرب، أو توفيرها لزوم الزراعة. وتصنف سورية ضمن بلدان الفقر المائي، فحاجتها السنوية تقدر بـ 23 مليار متر مكعب، بينما الكميات الواردة إليها في أحسن الأحوال وصلت الى 18 مليار متر مكعب، وبهذا يكون نصيب الفرد من المياه أقل بـ 200 متر مكعب سنوياً، مقارنة بالمعيار العالمي البالغ ألف متر مكعب. هذا المشهد المائي لا يسر الخاطر، ولايدعو إلى التفاؤل، بمستقبل الكميات المائية، وبجدوى الخطط المعلنة لتوفير المياه للقطاعات المختلفة. إذ تستهلك الزراعة النسبة العظمى من المياه، وتأتي أوليات التوزيع في سورية وفقاً لثوابت واضحة: مياه الشرب أولاً، ثم الزراعة والصناعة على التوالي. وتبرز خطورة القضية المائية في سورية، من أن منابع الأنهار الرئيسية التي تعتمد عليها، هي منابع خارجية، دجلة والفرات والعاصي، ويتذكر الجميع حساسية هذه المسألة، وانتقال هذا الملف المائي إلى طاولة السياسة ومواقف البلدان التي تشترك في مياه الأنهار. كما تزداد تعقيدات هذا الملف المهم، في المرحلة الحالية، فالحرب التي ابتلعت ثروات البلاد، وأولها الثروة البشرية، ستنعكس حتماً على موضوع المياه، لجهة توافر المياه النظيفة والصالحة للشرب، وسلامة المسطحات المائية والسدود والبحيرات، وازدياد المخالفات في حفر الآبار الارتوازية، والمساس بالمياه الجوفية، وغيره من الاستهداف غير الاقتصادي للمياه، وسوء الاستعمال. وبالتأكيد ستظهر هذه المشكلات، في وقت يصبح تأمين قطرة المياه مسألة بالغة الصعوبة. 

وربما في طرح سابق، يتعلق بكلفة المياه المهدورة، مقارنة مع ما تنتجه الأراضي الزراعية من منتجات مروية، خط أحمر، فضلت الحكومات المتعاقبة عدم الخوض فيه، وترك الأمور على حالها، تخوفاً من تضرر المزارعين، ولأسباب سياسية معروفة. إذ حاولت تلك الحكومات المحافظة على خط مرسوم منذ عقود تجاه دعم الفلاح، وعدم المساس بمكتسباته، في الوقت الذي كانت مجمل الإجراءات المتخذة لا تصب في خدمة هذا الفلاح، ولا تعبر عن تطلعاته، ولا تحقق مطالبه. وظلت قضية المقارنة بين إنتاج كيلو واحد من أي مادة زراعية وتحديد سعرها، مقابل كلفة إنتاجها من المياه فقط، قضية تناقش في الاجتماعات المغلقة، ولايسمح إطلاقاً بتداولها. هذه الخطط الزراعية الفاشلة، ساهمت في تعميق الفجوة المائية، وزيادة العجز المائي، وحرمان الأجيال القادمة أو ربما الحالية من حقها المشروع من هذه الثروة المهمة، وتعريض مستقبلها للخطر. لم تكن السياسات الرامية لتحقيق الأمن الغذائي خاطئة، فهي حق مشروع، وموقف يعبر عن نهج سياسي واقتصادي واجتماعي في الوقت عينه. وبرزت المشكلة في تغييب الأمن المائي، وعدم الموازنة بين ما يحققه الأمن الغذائي من فوائد، والسلبيات الهائلة التي قد تنتج عن فقدان خاصية الأمن المائي، وتبديد ثروة مهمة كهذه. وأدى تغاضي صناع السياسات الزراعية عن هذه القضية، إلى تفاقم مشكلة المياه، وساهم تقليلهم من حجم مخاطرها، في مواقفهم المعلنة كحد أدنى، إلى تضخم هذا الملف، إذ أنهم تجاهلوا الاعتماد على محاصيل زراعية غير شرهة للمياه. وفي هذا السياق يندرج اعتماد القطن محصولاً استراتيجياً، بينما يباع دون تصنيع. فالجدوى الاقتصادية الرئيسية ليست في إنتاج كيلو القطن وبيعه خاماً بعد الحلج والغزل، بل ببيعه مصنعاً كملبوسات مثلاً. فخسرنا المياه أولاً، ومن ثم الجدوى الاقتصادية من المنتج الزراعي ثانياً، بسبب السياسات الزراعية وعدم استكمال حلقات التصنيع، وعدم الانسجام في الخطط الاقتصادية بين الزراعة والصناعة.

ثروتنا المائية الآن، في خطر حقيقي، وساهمت الأزمة الراهنة  في تبديد جزء مهم منها، فضلاً عن السياسات الاقتصادية المتبعة التي لا تنظر إلى المياه كثروة يمكن أن تنضب، في حال استمرار استنزافها بالشكل الحالي، وعدم إدراك مستعملي المياه لخطورة العجز في هذا القطاع. إن جذر المشكلة ليس في الأسعار الرخيصة للمياه، بل في الفشل الذريع في الاستفادة منها، في حين من يعدها ثروة وطنية عليه أن يخبرنا عن الإجراءات المتخذة للمحافظة عليها.

العدد 1195 - 23/04/2026