ليبرالية سياسات الحكومة قادتها إلى الفشل!
تستمر الحكومة في تطبيق سياسات اقتصادية ليبرالية خالصة، مخالفة بذلك التوجهات العامة، وما يطلبه المواطنون، ومناقضة الواقع المرير الذي يعانيه الاقتصاد الوطني، والتحديات الهائلة التي تقف أمام إعادة بنائه من جديد. فهذه الحكومة التي لم توضح بشكل جدي تصوراتها الاقتصادية، جنحت باتجاه الطرق الأسهل، والأقل كلفة عليها، لتأمين موارد لخزينة الدولة، فيما الأوضاع الراهنة، تحتاج طرقاً مغايرةً، وخططاً جريئةً، تعبر عن الرغبة الشعبية العارمة في معالجة الأمراض التي يعاني منها اقتصادنا وقطاعنا العام، والتأسيس لمرحلة جديدة. أما لماذا لم تفعل الحكومة ذلك؟ فبالتأكيد هي تملك الإجابة، ولديها من المبررات ما يكفي لمناقضة هذا الطرح، إذ إنها ترفض كل النقد البناء الذي يطول عملها، مستندة إلى قناعتها الذاتية، بأنها تعمل بكل جدية لمعالجة القضايا التي تقف في وجه الاقتصاد. لكنها لم تنظر ولا مرة إلى المرآة ـ أي الواقع ـ ولم ترَ صورتها المعكوسة على سطح الماء، فهي بعيدة كل البعد عن هذا الموقف، ولا تملك جرأة الاعتراف بالخطأ. لا تنفذ الحكومة ما تسربه من معلومات، ولا تطبق ما تعلنه من خطط وبرامج، بل إن حظها العاثر وعجزها عن العمل، جعل منها حكومة غير قادرة على استثمار نقاط القوة التي تملكها، وضيّعت بفضل إجراءاتها الارتجالية أكثر من فرصة لإثبات قوتها، ومدى حضورها ومشاركتها الفاعلة في الاقتصاد الوطني، وإمكانية إنقاذه من حالة التخبط والمراوحة في المكان، أو الوقوف في عنق الزجاجة. لم ترسم الحكومة ما يجب أن تقوم به، لضمان الأمن الغذائي للمواطن، أو المحافظة على أمنه المائي، أو التصدي للظواهر الشاذة المتوقعة في مثل هذه الظروف. وما نشاهده في الشارع من ممارسات خاطئة، يقلل من فرص زيادة شعبية هذه الحكومة، ويحد من إمكانية بناء الثقة مع المواطن. ولنقرأ مؤشرين اثنين، يعكسان مدى العجز الحكومي في التعاطي مع الفرص المتاحة، وإخفاقها في اقتناص اللحظة واستثمارها. المؤشر الأول يتعلق بأزمة مياه الشرب الخانقة، التي تتعرض لها معظم المحافظات، ومع اعترافنا بوجود أسباب موضوعية أدت لهذه الأزمة، ثمة أسباب موضوعية أخرى يمكن ذكرها ساهمت في خلق قناعة لدى الناس أن صيفاً حاراً وقاسياً كهذا، لن يكون هناك فيه حاجة لمياه الشرب بفضل الهطل المطري الغزير شتاءً، وتجاوز المعدلات نسبتها السنوية مقارنة بالعام الماضي. كل المعطيات كانت تشيع الأمل لدى الناس بموسم أمطار أكثر من جيد، وأنه لا خوف على مياه الشرب، وأسقطت الحكومة كل التحديات التي يمكن أن تمنع وصول المياه للمواطنين، وتجاهلت حالة الحرب التي تطرأ فيها الكثير من المعطيات التي تحول دون الطموح المرغوب. ولم تتخذ الحكومة والجهات المعنية، أي إجراء يُشعر الناس بحالة الطمأنينة، أو أنها مستعدة لمواجهة الحالات الطارئة، فأتى الصيف الساخن، وبدأت انقطاعات المياه، بالتوازي مع انقطاع التيار الكهربائي، بينما الحكومة تبحث عن مخارج لهذه الأزمة الخانقة، دون جدوى.
المؤشر الثاني يتعلق بموسم الحبوب، وكيف تمكنت هذه الحكومة من تحويل موسم قمح وصلت تقديراته الأولية إلى ثلاثة ملايين طن، إلى محاولات مستميتة لاستلام أقل من نصف مليون طن قمحاً. السؤال الجوهري: لماذا هذا التدني في استلام الأقماح؟ يمكن حصره بعدم تمكن الفلاحين من حصاد أراضيهم بسبب العمليات العسكرية في عدد كبير من المناطق، وعزوف عدد من الفلاحين عن تسليم محصولهم لاسيما في المناطق الشمالية والجزيرة لمؤسسة الحبوب، نظراً للتكاليف الباهظة التي يدفعها الفلاح، وانخفاض تسعيرة القمح ( 61 ألف ليرة للطن) مقابل مغريات يقدمها آخرون. كانت الحكومة تعي هذه المشكلة، وتعلم يقيناً أن جزءاً من الحرب الراهنة لها شق اقتصادي، يستهدف لقمة عيش المواطن، والمنشآت الحيوية، وغيرها من مقدرات تمس حياة الناس المعيشية مباشرة، لكنها لم تفعل ما يجب فعله، ولم تقم بأعمال مهمة تتجاوز بث التفاؤل بموسم حبوب جيد. فكانت النتيجة أن لا أحد وثق بعمل هذه الحكومة، التي أصدرت القرارات، والتوجيهات، وحاولت زراعة التفاؤل والأمل لدى الناس، لكنها لم تمش خطوة واحدة في سبيل تجسيد التطلعات المشروعة للناس، ولم تنفذ قراراً واحداً وعدت به الناس، بل تعاملت على مبدأ الواقع الراهن الذي يحرمها من العمل، والتحديات التي لايمكن مواجهتها.
إن حكومة ترفع أسعار الخبز، والمحروقات، هي حكومة تعمل نظرياً وفقاً لتوجهات صندوق وبنك النقد الدوليين، وتطبق أعتى السياسات الاقتصادية الليبرالية. إن حكومة مازالت بعيدة عن مواطنيها، ولا تكاشفهم، وتبني جدراناً تمنع التواصل معهم، هي حكومة ليست شعبية بالمطلق. إن حكومة تسعى لمزيد من الضغوطات على الشعب، وتتجاهل الانعكاسات السلبية الهائلة عليه، لا يمكن أن تكون حكومة تلبي رغبات هذا الشعب الصامد بكرامته وتضحيات أبنائه. إن حكومة مازالت عاجزة عن حل مشكلة وقود السيارات العامة، ومخصصات كل سيارة، لن يكون بمقدورها معالجة ملفات اقتصادية واجتماعية كبرى. هذه ليست جردة حساب للحكومة، بل هي همسة في أذن كل وزير يرى أنه قدم كل ما بوسعه، ولم يعد لديه شيء يقدمه، وينتظر الخلاص. شعبنا يستحق حكومة ترعى أحواله، وتسهر على تأمين احتياجاته، لاحكومة تنظر إليه شزراً، وتضعه يومياً على المسامير.