سامحناكم… سامحونا!

هذا هو لسان حال السوريين الذين كان لهم موقف سياسي مؤيد أو معارض أو ما بينهما، في وجه من يريد استمرار الاستقطاب الحاد الذي كان موجوداً أساساً، لكن الخوف منعه من التعبير عن نفسه إلى أن اندلع الحراك الشعبي في 11/3/2011، ثم حدثت الكارثة، الحرب المجنونة التي نأمل أنها تقترب من نهايتها.

في (إعلان مبادئ بشأن التسامح) الذي اعتمده مؤتمر اليونسكو 16 تشرين الثاني 1995 ترد نصوص كثيرة للتأكيد على مفهوم التسامح في الفكر والممارسة فـ(التسامح يعني الاحترام والقبول والتقدير للتنوع الثري لثقافات عالمنا ولأشكال التعبير وللصفات الإنسانية لدينا)- المادة 1ـ

لكنه- تضيف الوثيقة- (لا يعني المساواة أو التنازل أو التساهل، بل التسامح هو قبل كل شيء اتخاذ موقف إيجابي فيه إقرار بحق الآخرين في التمتع بحقوق الإنسان وحرياته الأساسية المعترف بها عالمياً. ولا يجوز بأي حال الاحتجاج بالتسامح لتبرير المساس بهذه القيم الأساسية)- المادة 201.

الوثيقة التي أقرها المؤتمر المذكور كإعلان مبادئ تتضمن الكثير في هذا الشأن ودعت إلى اعتبار يوم 16/11 يوماً عالمياً للتسامح وهو تاريخ صدور الإعلان.

في المقتطفين أعلاه هناك وضوح ودقة في مفهوم التسامح، وفي تاريخ شرقنا العربي وغير العربي قصص وحكايات عن حروب شرسة وطويلة أكلت أعمار أجيال ولم تنته إلاّ بالمسامحة والصلح.

داحس والغبراء التي قامت بين قبيلتي عبس وذبيان ومشاركة قبائل عربية عديدة دامت أربعين عاماً وانتهت بانتصار قبيلة ذبيان، واندحار بني عبس وهروب قائدهم، وقد اضطرت العرب للتدخل لحقن الدماء ودفع ديّات قتلى القبائل، وتكفل بذلك اثنان من أثرياء أشراف نجد هما هرم بن سنان والحارث بن عوف، وهكذا طويت صفحة الحرب والثار والقتل وفتحت صفحة التسامح.

حرب البسوس الطويلة كان طرفاها بكر وتغلب، بقيت مستمرة بوقود الثأر الذي أحرق البشر والبلاد حتى أحرقت مشعلها وانتهت أيضاً إلى المسامحة، من بقي من الطرف الخاسر سامح الطرف الرابح (إن كان هناك رابح وخاسر). ومن بقي من الرابحين ترفّع على غرور المنتصر وقبل بجيرانه وأبناء جلدته الذين خسروا الحرب.

الحرب الفيتنامية، الحرب الكورية، حروب الاحتلال وحروب التحرير والحروب الأهلية من الحرب الإسبانية إلى الحرب الأمريكية إلى اللبنانية، الحربان الكونيتان، كلها انتهت إلى طيّ صفحة الحرب والأحقاد على الأقل في التعاملات ليتولى الزمن محوها من القلوب.

هل من خيار أمام السوريين سوى طيّ صفحة الماضي ما إن تضع الحرب أوزارها؟!

هل من خيار لكل طوائف سورية وأعراقها وأديانها وأحزابها وعقائدها سوى أن يبدؤوا من جديد ويطووا صفحة الحرب والتهجير والمجازر والأخطاء والخطايا التي حصلت من الأطراف كافة؟!

دون هذا الحلم عوائق هائلة…

أولاً- القوى التي لها مصلحة في استمرار المقتلة السورية تحت شعارات شتى وهي موزعة على طرفي الحرب، تحاول تأجيج نيران الفتنة والحقد ولو كلفها الأمر ارتكاب مذابح جماعية وإبادة الجنس.

هؤلاء لا يمكن أن ينالهم التسامح والغفران، هؤلاء يجب أن ينالوا جزاءهم العادل عبر محاكمات حقيقية ومستوفية لشروط العدالة الانتقالية.

ثانياً- القوى التي تستمد حضورها على ساحات العمل السياسي والاجتماعي من تقسيم المجتمع إلى (فسطاطين): (جماعتنا) وهم لطفاء جميلون وطنيون لا يأتيهم الباطل من بين أيديهم أو من خلفهم، و(جماعتهم) وهم قوم مجردون من صفة البشرية ويجب محوهم من الخارطة.

وتدخل ضمن هذه الطروحات تكفير كل من عارض النظام بخلط متعمد بين من حمل السلاح ومن مارس حقه الطبيعي في ممارسة العمل السياسي من موقع المعارض، بل يمتد تكفيرهم إلى من هاجر بحثاً عن الأمان لأنه لا ناقة له ولا جمل في الحرب، ومن المقلب الآخر تكفير كل من أيّد النظام السياسي بالقول والرأي، وهو من حقه كما من حق المعارض أن يعارض.

ثالثاً، وهو الأهم والأخطر- القوى الدولية والإقليمية المستفيدة من الحرب، والساعية إلى إدامتها عبر تقسيم البلد وتفتيته إلى كيانات صغيرة تتقاتل فيما بينها إلى يوم يبعثون، إن كان ثمة يوم، وهنا لا أقصد الطرح الفيدرالي كأحد الحلول الجدية المطروحة لحل الأزمة وهو حل عصري موجود في أكثر من بلد من بلدان العالم، وهو قابل للنقاش والأخذ والعطاء مع التشديد على وحدة الأراضي السورية والشعب السوري كأساس أي حل مطروح لخروج البلد من الأزمة والحرب الكارثية إلى أفق العدالة والديمقراطية والحرية والتقدم.

العدد 1196 - 29/04/2026