في ظل غياب الرقابة التموينية يبقى المواطن بين مطرقة الغلاء وسندان الأزمة..!
يمكننا القول إن الأزمة التي فرضها شذّاذ الآفاق على سورية تمضي باتجاه عامها الخامس والبلاد ما زالت تموج بين مدّ وجزر والمواطن المعتّر لا ينام ويستيقظ على خبرٍ أو همّ قديم !!. فالنزف الدموي في الشارع لا يزال هو السّمة البارزة في المشهد السوري ولن أخوض في توصيف سياسي أو تحليل هذا المجال كي لا أقع في ما وقع به من كان يبحث عمّن أتى أولاً الدجاجة أم البيضة !!.
المواطن المسكين الذي أرهقته الأزمة وما رافقها من غلاء وارتفاع في أسعار الكثير من المواد بنسب كبيرة جداً أحياناً وصلت إلى خمسة أضعاف لم يعد يستطيع حمل قشة مادامت تلك القشة قد قصمت ظهر بعير ذات يوم، فكيف بظهر مواطن يلدغه الغلاء كل صباح وكل مساء؟!
نعلم حجم الضغط علينا من الخارج وضغط الأحداث من الداخل، ولكنني لا أعفي الدولة من مسؤولياتها فمراقبة الأسواق والأسعار وبالتالي ضبطها إلى حد ما وعدم التلاعب بها وقيام الدولة بطرح المزيد من المواد القابلة للاحتكار في صالاتها ومراكزها، والقيام بحملات توعية يتم من خلالها تنبيه المواطن إلى عدم الوقوع في الهلع والخوف، وبالتالي تكديس الكثير من المواد في البيوت، هو ما بحثنا عليه طيلة السنوات العجاف المنصرمة!
الشيء اللاّفت هذه الأيام هو أن العديد من التجار قد حفظوا نغمة واحدة وباتوا يردّدونها في وجه من يحتج على زيادة التسعيرة تتلخص بأن الدولار قد ارتفع وغير مستقر، وهذا ما يجعلهم في قلق دائم .
والشيء العجيب الملاحظ بهذا الخصوص هو أن قسماً من التجار – تجار الأزمة – ما إن يتعوّد المواطن على التسعيرة الجديدة حتى تُطرح المادة بكميات كبيرة في السوق، وهذا ما حدث فعلاً بمواد كثيرة منها المنظفات أو مادة المتة أو علبة التبغ الحمراء القديمة أو حتى أسطوانة الغاز التي كانت شبه مفقودة إلى أن ارتفع سعرها بشكل تدريجي ليصل الى 1700 ليرة لدى المعتمد فأصبحت متوفرة، وبكثرة !!
عدد ممن التقت بهم جريدة (النور) من المواطنين برّر السكوت على جشع بعض التجار بأن الحاجة للمادة هي الدافع وراء سكوتهم لا بل وتوسلاتهم للتاجر المحتكر كي يؤمّنها لهم، فيما يرى آخرون أنه لو بحثنا عن الرقابة التموينية وعن حماية المستهلك وما إلى ذلك من منظمات وهيئات ومديريات حكومية أثبتت فشلها وعدم قدرتها على ضبط حركة السوق لما وجدنا لها أي أثر أو فاعلية على الأرض بشكل واضح ومؤثّر.
فالتموين يحتج بأن عدد عناصره غير كافٍ على تغطية السوق (كما أوضح لي مدير تموين طرطوس عاطف حمد في أكثر من لقاء ) وهنا نتساءل عن السبب الذي يمنع من رفد التموين بعناصر جديدة ليتمكنوا من القيام بجولات مفاجئة على الأسواق؟!.
وهناك من عبّر لنا عن استيائه من تقاعس الحكومة في إيجاد مخرج سريع للأوضاع الاقتصادية التي تمر بها البلاد، وحمّل الوزارات المتعاقبة مسؤولية الفشل في ذلك واتهمها بضعف الأفق والنظر وسعيها الى إصدار قرارات ارتجالية تراجعت عن معظمها أو تناستها لأن الغلاء الفاحش قياساً بالرواتب قد حوّل حياة هؤلاء إلى جحيم !
عند زيارة عدد من تجار المفرّق والجملة تباينت الآراء وتعددت الأسباب – من وجهة نظرهم – لأزمة الغلاء، فقد تحدث أحد تجار الجملة السيد عيسى بأن سبب الأزمة يعود إلى تحكّم المستورد بالسوق وبسعر المادة. فهؤلاء الذين قاموا بتكديس البضائع في مستودعاتهم وامتنعوا عن طرحها للمستهلك، وكما تعلم – يضيف التاجر- فإن غياب المادة وحاجة المواطن لها يجبره على شرائها بأضعاف مضاعفة . وعندما سألناه عمّا إذا كانت الأزمة حقيقية أم مصطنعة؟ أجاب بأنها بين بين، أي أن الأحداث أثّرت وبالمقابل البعض لعب دوراً قذراً فيها من خلال احتكاره للسلع والبضائع في مستودعاته. أما من جهة أنها حقيقية فهذا يعود لارتفاع سعر الدولار وهذا يفرض زيادة على التسعيرة. وعند السؤال عن الفاتورة في ظل غياب التسعيرة النظامية أفادنا تاجر آخر بأن موزع الجملة لا يعطيه فاتورة، وعندما يسأله عن التبريرات في حال جرت مساءلته من قبل التموين فإن الجواب هو ( دبّر راسك !!).
السيد ياسر ( قصّاب) تحدث عن معاناته في الذهاب إلى حمص أو حماة فهو يحصل على الذبائح من هناك، وبسبب الأحداث لم يعد قادراً على الذهاب إلى أسواق حمص وحماة، وبالتالي وجد نفسه مضطراً كي يقبل بالسعر الذي يفرضه عليه التاجر الذي سيورّد له الذبائح من هاتين المحافظتين بحجة أن الطريق غير آمنة وأنه يدفع للحواجز !. وعند السؤال عن حركة الشراء لم يخف انزعاجه من الأوضاع التي أثرت على البلاد بشكل عام واصفاً الحركة بأنها قليلة .
السيدة ربا (صاحبة مخبز معجنات وحلويات وبوظة) تحدثت عن مفاعيل الأزمة وأثرها النفسي على المواطن الذي لم يعد يجد الوقت المناسب للخروج، فمعظم الناس في بيوتهم بانتظار المجهول.. أضف إلى ذلك ارتفاع أسعار السكر التي زادت أضعافاً مضاعفة والنايلون وحتى الورق والطحين أيضاً كل هذا أثر على حركة البيع وسبب زيادة في الأسعار!
السيد خضر مصطفى صاحب محل لبيع الفروج تحدث عن سبب زيادة سعر الفروج بالقول بأن الفروج يتأثر دوماً بالعرض والطلب، أضف إلى ذلك توقف بعض المداجن عن الإنتاج وارتفاع تكاليف الإنتاج وتذبذب أسعار العلف، كلّها أثرت على السعر وطالب الجهات الحكومية المعنية بتثبيت سعر الفروج بما يضمن حق الدولة وحق المربي والبائع وبما لا يرهق كاهل المواطن !
في النهاية، الأزمة التي تعصف بالبلاد أثبتت العجز في العديد من مفاصل الدولة على مختلف النواحي وهذا لاشك يدفعنا للتساؤل عن محاسبة المسؤولين عن ذلك !.أضف إلى هذا غياب الدور الفاعل والحقيقي لأجهزة الرقابة من تموين وحماية مستهلك وما إلى ذلك من العناوين البرّاقة التي أفرغها الفساد الوظيفي من مضمونها.. بانتظار محاسبة المقصرين والفاسدين فإنّ لسان حال المواطن سيبقى يقول : اللهم نجّنا من الأعظم!!