مرآة الطبيعة.. ووجه الحياة

كانت أزهار عباد الشمس أزهاراً عادية، قبل أن يحولها الفنان الهولندي فان كوخ إلى أزهار غير عادية.. وكانت الوجوه التي رسمها رامبرنت وبيكاسو وفاتح المدرس ولؤي كيالي.. وجوهاً عادية قبل أن يضيف هؤلاء المبدعون السحر والروعة على ملامحها.

وكأن الفن بجميع أشكاله وأنواعه يساعد الطبيعة لإظهار عظمتها وخلودها، فالسفن وغياب الشمس وبناء الأهرامات وتماثيل بوذا ومعابد البير ـ حضارة أمريكية الجنوبية ـ ما كانت لتبقى وتصمد كل هذه السنين لولا المواهب الفنية والنحتية التي قام بها مبدعو تلك الشعوب.

أجل..

الفن يجعل الحياة أكثر جمالاً، وأبقى وأمتع بشرط أن تقع عليها عين رسام موهوب، ونحات شجاع، ومفكر جريء، وأديب حر، وفيلسوف نابه.

(هناك  جانب من الجمال والسحر في كل مظهر من مظاهر الوجود، ولكن لا يدرك ويلتقط ويمسك به إلا من أوتي بصيرة نقية، وبصراً نافذاً، وقدرة على الملاحظة والتأمل بروح من التفاؤل والوعي وحسن الإدراك).

فإذا كانت الموهبة عظيمة، جعلت من الأشياء العادية أشياء خارقة، ومن الناس أحياء خالدة، فالفن لا يزهر إلا في عقل مبدع، ولا يعطي ثماره إلا إذا وقع في قلب مبدع عارف، وفي روح لا تعرف إلا الحب والحرية.

إن الذين يدّعون أنهم من أصحاب المواهب الكبيرة، وأن الفن والإبداع خلقا ليكونا في خدمة أهدافهم، هؤلاء تأثيرهم على المدى البعيد محدود وقصير، وإن كنا نسمع بهم في كل يوم، ولا تخلو أمسية أو محاضرة أو معرض من وجودهم.

إنهم كالماء، ولكن ليس أي ماء، بل ماء آسن موحل، لا يمكن شربه أو بلعه، أو رؤية صورة وجهك فيه، ولكن المصلحة تفرض أحياناً على بعض الناس المسايرة، والمجاملة، فيشربون ذاك الماء، ويقسمون أنه يعكس صورة وجوههم بكلّ صفاء ونقاء.

إن اصحاب المواهب الضئيلة لا يكبرون، وإن ظن البعض منهم أنهم صاروا عمالقة، فأن يكبر الإنسان ويزداد عمره شيء، وأن يكبر وتنضج موهبته شيء يختلف عن كل شيء..

(الطبيب الجاهل يقتل شخصاً، أما الفنان الجاهل فقد يقتل أمة)، فالفن سلاح خطير لا يجوز أن يحمله كل إنسان.

أما السوس الذي ينخر الفن، ويقلل من رونقه وروعته فهو النفاق، (فالفنان لا يمكن أن يصل إلى أعلى مراحل الإبداع إلا إذا احتفظ بكبريائه، واعتزازه بنفسه وكرامته).

يبقى الفن مرآة الطبيعة ووجه الحياة، وبقدر صفاء المرأة وطهرها ونقاوتها تظهر الصورة أجمل وأوضح، ومن الناس من يرى صورة وجهه وجسده، وقلة من يرى صورة روحه وضميره.

إن أعظم الفنانين وأصدقهم موهبة، أولئك الذين يأخذون فنهم من الناس والطبيعة، ثم ينزلون ليمشوا به بين الناس.. مبددين بنورهم كل ظلمة تحيط بهم.

العدد 1194 - 15/04/2026