العولمة والسيادة والاقتصاد

 كان للممارسات التي حصلت تحت ستار ما سمي (العولمة) الأثر السلبي على أغلب دول العالم بحيث عمت الفوضى والأمراض الاجتماعية كالفقر والبطالة، وجهزت الأرض لتكون سهلة الاشتعال، وإن حاولت القوى والأدوات الإمبريالية تلميع مصطلح العولمة وتسويقه كمصطلح، فهي تنطلق من تطبيقه الانعكاسات الإيجابية على العالم، لأن هذا المصطلح سيقضي على الحواجز والحدود بين الدول ويدمج الهويات الصغيرة في كنف الحضارة الغربية التي وصلوا إليها نتيجة تراكمات وأبحاث وتجارب وغربلة، وبالتالي العولمة سوف توفر تكاليف وجهوداً وأبحاثاً وتختصر زمناً كبيراً على أغلب دول وشعوب العالم.

 ولكن التطبيق والتنفيذ سرعان ما أظهر الوجه الحقيقي لهذا الوباء الذي كان الغرض منه عولمة الأمراض التي تهدّ الأجساد وتحولها هشّة، وتزعزع الهويات وتفرغ العقول وتحول الاستقرار الذي شهدته الكثير من الدول إلى فوضى عارمة متذرعة بجوانب لا تمارسها ولا تملكها تتعلق بالجانب الإنساني والجانب الديمقراطي، وهذه الزعزعة وسلب الهوية وتحطيم الثقافات كان الهدف الاستراتيجي له هو المصالح الاقتصادية والسيطرة الأحادية على العالم وعرقلة أي منافس آخر، بعد أن تفردت الولايات المتحدة بقيادة العالم من خلال تسخير المؤسسات الدولية لخدمة أهدافها: أن تبقى بلدان سوقاً لتصريف سلعها ومركزاً لتصدير المواد الأولية والثروات الطبيعية مع إضافة هدف جديد هو استثمار الأيدي العاملة الرخيصة والثروات في أماكن وجودها بأبخس الأسعار، وهو ما أدلجته عن طريق تشكيل الشركات المتعدية الجنسيات واستثمار الاتفاقيات الدولية لتكريس هذه الأهداف، كمنظمة التجارة العالمية والبنك الدولي وصندوق النقد الدولي لخدمة الموضوع الاقتصادي الذي تسعى له، وتسخير الأمم المتحدة لتمرير المشاريع السياسية الممهدة لاستمرار السيطرة الاقتصادية. ومن هنا كان للممارسات المختبئة تحت مصطلح العولمة انتهاك لسيادة الدول بشكل مباشر، أو غير مباشر وبذلك فقد كانت هذه العولمة المتأمركة أساساً لسلب سيادة الدول بشكل مباشر عبر التدخل العسكري أو فرض القيادات، أو بشكل استراتيجي عبر فرض البرامج الاقتصادية،وقبل الخوض بذلك لا بد لنا من تسليط الضوء على مفهوم السيادة.

فالسيادة هي السلطـة العليا في الدولـة، ويعتقد البعض أن أرسطـو هو أول من اِستخدم في فلسفة العلوم السياسية كلمة السلطة العليا في الدولة ضمن مباحثه السياسة والفلسفية. ثم تلاه فقهاء روما في الاهتمام بالبحث في موضوع السلطة العليا، ثم اِستعمل في حدود سنة 1575م الفيلسوف بـودان كـلمة سيادة وذلك في كتاب له سماه (جمهورية)، واستخدم من جاء بعده هذا المصطلح في كتبهم. ولكن الفلاسفة اختلفوا في تعريف سلطات الدولة هذه تعريفاً دقيقاً ولذلك تعددت تعاريفهم لهذا المعنى:

أ – فمنهم من قال: إنه السلطة العليا التي لا يحدها قانون، ومن شأنها أن تسيطر على الأفراد؛ وهو رأي بودان.

ب- ومنهم من قال: إنه السلطة العليا التي تسيطر على شؤون الأُمة ورعاياها سيطرة لا يحدها إلاّ العرف والعادة والارتباطات الدولية.

ج- ومنهم من يقول: إن السيادة خاصية من خصائص السلطة، مضمونها السموّ وعدم وجود سلطة أعلى منها أو مساوية لها في الداخل، وعدم خضوعها كذلك لسلطة سيادة أو دولة أخرى في الخارج.

د – ومنهم من يقول: إن السيادة هي السلطة العليا الآمرة للدولة ولا تعرف فيما تنتظمه من علاقات وارتباطات سلطة أعلى منها أو مساوية لها في الداخل.

هـ- ومنهم من قال: إنها سلطة عليا بإمكانها تخويل فرد أو هيئة تتكون من عدة أفراد قوة تمكنه أو تمكنهم من تنفيذ الأوامر المشار إليها عادلة وتساوي اِنطباقها على جميع الأفراد، والقائمون بها يمثلون إرادة السلطة التي هي جميع الأفراد، فالدولة ديموقراطية ذات سيادة شعبية وإلاّ فالدولة دولة اِستبدادية دكتاتورية ناقصة السيادة، وبذلك لا يمكن لفكر سالب لديمقراطية الدول ومحارب لتكريسها أن يدعي تدخله بدول أخرى بحجة الإنسانية والديمقراطية لأن حقوق الإنسان والديمقراطية، أهم أدوات مواجهة مشروعه الاستعماري الاستلابي الاستنزافي.

وللسيادة خصائص متعددة لكي يفهم معناها وحدودها:

فللسيادة في المفهوم الغربي خصائص نوجزها فيما يلي:

أولاً– الإطلاق: ومعنى ذلك أنه لا توجد أية قوة شرعية فوق قوة الدولة، وأنه لا توجد أية حدود قانونية لسلطة سنِّ القوانين العليا التي تملكها الدولة.

ثانياً– العموم: ومعنى ذلك أن سلطة الدولة تسري على كل فرد وكل جماعة أو منظمة في داخل حدود الدولة، ولا اِستثناء لأحد من ذلك إلاّ الدبلوماسيين للدول الأُخرى. وهذا في الواقع ليس إلاّ مجاملة جرى بها العرف بين الدول، ويمكن للدولة رفعه إذا تغيرت الظروف، أو حين ترى الدولة أن من مصلحتها فعل ذلك.

ثالثاً– الدوام: ومعنى ذلك أن سيادة الدولة تستمر باستمرار بقائها، وتغيير بعض أعضاء الدولة ممن يمارسون هذه السلطة لأمر ما لا يضر أبداً بهذه السيادة، أو إذا حصل في الدولة إعادة تنظيم شاملة لا يؤثر أبداً، أو ستظل السيادة للدولة ثابتة ما دامت الدولة نفسها باقية.

رابعاً– وحدة السيادة: ومعنى هذا أنه لا يمكن في الدولة أكثر من سيادة واحدة، لأن تقسيم السيادة بين أفراد الشعب كلهم أو بين مجموعة من الأفراد وبين باقي الشعب، معناه اِختصاص السيادة أو جزء منها، وهذا يفضي إلى اِنتهاء السيادة والقضاء عليها، وتوزيع سلطات السيادة على بعض أجهزة الدولة لا يضر الأجهزة الحكومية التي هي أدوات تنفيذ لإرادة السيادة الواحدة، فإرادة الدولة وإن كانت واحدة إلاّ أنها تتعلق بكل أجهزة الدولة دون اِنقسام في السيادة ودون تجزئة لها، وهذا هو الحق.

خامساً– السموّ: ومعنى ذلك أن سيادة الشعب هي الأعلى وليس أسمى منها سيادة ولا تحكمها سيادة أخرى أو تساويها، لا في الداخل ولا في الخارج، ولا يؤثر خضوعها للقانون الدولي والارتباطات الدولية لأنها سارية على الجميع.

سادساً: العصمة من الخطأ: فما تقره هذه السيادة هو الحق وهو القانون الذي يسري على الجميع داخل حدود الدولة المعنية.

وإذا كانت السيادة غير محددة من الوجهة القانونية، فإن هذا لا ينطوي على منحها حقاً أو أهلية تمكنها من إخضاع جميع مصالح الشعب وأوجه نشاطه للنظم والقوانين، ولذلك نجد في الدولة الحديثة أن مجالات كبيرة من حياة الشعب لا تتدخل فيها الحكومة، لأن الوقائع أثبتت أن التدخل في بعض المسائل الخاصة المتعلقة بالأفراد يؤدي إلى الثورة على تلك الدولة،كل هذا في الأفكار وما تكنه الضمائر من المعتقدات، أما إذا جاهر المرء بمعتقداته المخالفة لما عليه عموم الناس مما قد يثير في الناس فوضى أو عنفاً، أو يزعزع الأمن والاستقرار في الدولة، فإن ذلك كلّه يجعله يقع تحت طائلة القانون وداخل حدود السيادة، ويمكن محاسبته وكبح جماحه.

وهناك علاقة قوية بين السيادة والاقتصاد الذي هو الهدف الأهم والاستراتيجي لسياسات الدول سواء لبناء دولها وتقويتها وتقوية سيادتها، أو لعرقلة هذا البناء من دول أخرى قاضمة لسيادة الآخرين ومعرقلة لاستقلاليتها. وهكذا كانت الإملاءات بصيغة البرامج الاقتصادية التي حاولت الإمبريالية فرضها عبر المؤسسات الدولية كصندوق النقد الدولي والبنك الدولي ومنظمة التجارة العالمية أهم وسيلة لسلب سيادي مستقبلي عبر إعطاء بعض الشخصيات الاقتصادية المتطورة تاريخياً تحت عباءة الفكر الرأسمالي والنامية عبر أموال أغلبها سوداء مشبوهة،وتضخم ثرواتها عبر ما أتاحته عولمة السوء عبر اقتصاد السوق من ازدهار تجارات السلاح والبغاء وتنامي الرشا، الأمر الذي عولم مافيات دولية مركزها في بلدان التعولم. وقد كان هدف سلب السيادة هدفاً استراتيجياً عبر فرض سياسات تسحب من خلالها الدول سيطرتها على الاقتصاد وتقليص الخدمات الاجتماعية المختلفة التي كانت تقدمها لمواطنيها بما يحقق العدالة وقوة الانتماء، وإعطاء أغلب المزايا والسلطات الاقتصادية لمراكز قوى أغلبها غير متعمقة في المجتمع وغير مستوعبة لحاجات المجتمع وكيفية تحقيق التوازن والتكافل الداخلي، وإنما ما تفهمه وتسير عليه هو ما تمليه عليها مراكز القوى الرأسمالية التي استندت عليها للوصول إلى ما هي عليه، وبالتالي كانت السياسات الداعية لسحب يد الحكومات الممثلة وشبه المنتخبة وجعلها منفذة لقرارات تملى عليها من هذه المراكز الاقتصادية شكلاً من أشكال إنقاص السيادة وتهميش المجتمع والقوى الحقيقية الفاعلة وقتلاً للديمقراطية، علماً أن الإمبريالية المدعية أنها مع الديمقراطية هي أكبر عدو للديمقراطية لأن الديمقراطية الحقيقية مقتل لمشاريعها ولسمومها التي تبثها لقتل روح المجتمعات واستمرارية التبعية لها ولبرامجها.

وهكذا فإن قوى العولمة وجدت في توحيد النهج الاقتصادي العالمي عبر اللبرلة أو الليبرالية الجديدة جسراً للوصول إلى أقصى أهدافها، هذا النهج يؤدي إلى تقليص الأمن الغذائي إلى أقل قدر ممكن بحيث يكون البلد المستهدف بحاجة إلى البلدان الأخرى، في تأمين الغذاء وبحيث يتحكم به عند الحاجة وكذلك مواجهة السياسات الاقتصادية المخططة ذات النتائج العادلة من حيث تأمين الخدمات الصحية والتعليمية والخدمات الأخرى مجاناً أو بأسعار رمزية بما يقوي الجسد الاجتماعي ويجعل الجسم قوياً عصياً على الاختراق، وكذلك جر البلدان إلى منحى المديونية الكبرى، لفرض أغلب البرامج والقرارات، ومحاربة أن تمتلك الدولة مفاتيح الاقتصاد الوطني وتقود برامجه وتسير به نحو التنمية المستقرة المستمرة المستقلة، وحتى البنى التحتية، وهي المنعكس المهم لسيادة الدول، حاولت أن تكون بيد أدوات تابعة لها بحيث تخف سيادة الدولة عليها وتكون منفذً لسلب السيادة مستقبلاً عبر جعلها معبراً لأدوات تهز الأمن الداخلي، وإن لم تنجح هذه الدولة وأدواتها الراعية للعولمة بفرض هذه البرامج تلجأ إلى أدواتها الكثيرة المنتشرة عبر عهر التدخل في الشؤون الداخلية، بصنع قوى وميليشيات إرهابية وإدخالها، وهي لا تملك مشروعاً أو برنامجاً سوى عقول مفرغة أو بنادق مأجورة أغلبها لا ينتمي للبلد المعني، وإنما يعرقل ويدمر آمال الشعب الحقيقي للبلد وطموحاته ومطالبه، وهذه الميليشيات عابرة للحدود وتهدف لزعزعة الأمن والاستقرار ولتدمير البنى وقتل الاقتصاد بأساليب إرهابية وتحت دواعي عقائدية لا تنتمي لروحية الأديان والمذاهب، وذلك رغم حجة الدولة المعولمة بمكافحة الإرهاب الذي هو نتيجة أعمالها ومن صناعتها.

وبذلك لا وجود لسيادة مستقلة في عالم يقاد بدولة فاقدة للانضباط بالقانون الدولي، وفي ظل مؤسسات دولية تابعة لها ولإملاءاتها ودول تحافظ على سياداتها، بسلب سيادة العالم ودوله ودول كبرى تسير تحت إمرة هذه الدولة السالبة للانضباطية العالمية ولحقوق الإنسان، وأي تدخل خارجي من دون موافقة مؤسسات الدولة والاتفاق الشعبي عليه هو انتقاص وانتهاك لسيادة الدولة المستهدفة التي قد تلجأ وفق توافق مجتمعي مؤسساتي لطلب التعاون الذي لا يسلب القرارات الوطنية ولا يتدخل بالنسيج الاجتماعي الذي يؤدي إلى شرخ كامل في البلد الطالب للمساعدة، وتظل القيادة والريادة للدولة طالبة العون في ظروف معينة وفي ظل قراءة ومعلومات قد يكون للوجود المباشر القوي لدول ذات قوة إقليمية ودولية مبرر إعادة السيادة المسلوبة وقطع الطريق على الانهيار التام للبلد في ظل قوى تابعة لأطراف ودول لكل منها مصالح بقضم جزء أو تطويل الأزمة أو إيصال أدوات بمعزل عن رغبة الشعب، وبذلك فهناك اختلاف بين التدخل المطلوب شعبياً أو مؤسساتياً، والتدخلات الهدامة المدمرة المساعدة على القتل والسلب والنهب، وهذا يعود لطبيعة الواقع الحالي للبلد ويضطر البعض إلى القبول، لإنقاذ السفينة من الغرق الكلي على أن تظل الرؤية المستقبلية: الوصول إلى دولة مؤسسات قادرة على قيادة البلد وعلى استعادة السيادة المنتهكة مسبقاً بفعل ممارسة الدعارة الدولية وانتهاك القوانين واستعمال المؤسسات الدولية منبراً لاستمرار القتل والدمار بدلاً من حماية الإنسان وحقوقه التي زاد انتهاكها بوجود  مؤسسات منقادة ومسلوبة الهدف السامي.

وهكذا نستنتج أن العولمة كانت وتستمر لتقليص الدور السيادي للدول بشتى الوسائل من خلال الإرهاب الاقتصادي وبالاقتصاد، من أجل السيطرة على القرارات وتفريغ الشعوب وإفقاد الهويات لاستمرارية عمليات النهب والاستلاب لاستمرارية التفوق الغربي من جهة والأحادية القطبية من جهة أخرى، وفرملة أي مواجهات قادمة وعرقلتها.

جمعية العلوم الاقتصادية السورية

العدد 1196 - 29/04/2026